صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 27



  1. رقم #1
     العنوان : العلاقة بين القرآن والسنة
    بتاريخ : 11-10-2012 الساعة : 07:53 AM

    باحث وروائي

    الصورة الرمزية أسامة عكنان

    رقم العضوية : 15204
    الانتساب : Aug 2011
    المشاركات : 434
    بمعدل : 0.40 يوميا

    أوسمة العضو


    أسامة عكنان غير متواجد حالياً




    مدخل إلى جدلية العلاقة بين القرآن والسنة

    أسامة عكنان

    تعقيبا على حوارٍ تابعته على صفحات الفيسبوك حول الدور التشريعي لكل من القرآن والسنة والعلاقة بينهما، وبعد أن تبين لي – من وجهة نظري – أن معظم المتحاورين لم يضعوا أيديهم على جوهر المسألة الجدلي، ما حال دونهم ودون تقديم توصيف لعلاقة معرفية "خبرية وتشريعية" متماسكة بينهما، وجدت أن أدلي بدلوي في الموضوع في حدود ما هو متاح لديَّ من فهم للمسألة، والله من وراء القصد..

    أولا.. تحليل العلاقة بين المعقول والمنقول أو بين العقل والنقل
    في سياق مناقشتنا لجوانب شخصية "محمد بن عبد الله" المختلفة، ولدلالات هذه الجوانب، ولكيفية التعامل مع ما أُثِرَ عنه من أقوال وأفعال وتقريرات صدرت بموجب هذا الجانب من شخصيته أو ذاك، سنجد أنفسَنا مدفوعين بقوة منطق الأمور وطبائعها إلى التفريق بين نوعين من أنواع التعامل مع شخصيَّة القائل والفاعل والمقرِّر "محمد بن عبد الله" صلى الله عليه وسلم، من حيث طبيعة التلقي عنه والسماع منه.
    النوع الأول، وهو النوع من التعامل الذي تَمَتَّعَ به من رآه وسمع منه مباشرة، حيث لا وجود على الإطلاق لأيٍّ من التحفظات التي طرحت نفسَها لاحقا على النوع الثاني من أنواع التعامل، فأوجدت لأجل التعاطي معه بإيجابية – أي مع هذا النوع الثاني – علمَ الحديث والرواية، وعلم الجرح والتعديل، وعلم الرجال.
    أماَّ النوع الثاني من التعاملات، وهو النوع الذي فرضت عليه طبيعة الأمور أن يتعرف على الأقوال والأفعال والتقريرات عبر شُحنةٍ تاريخية تنطبق عليها كافة التحفظات الممكنة والمحتملة على أيِّ مرويٍّ تاريخي من حيث المبدأ، فهو النوع الذي لا يمكننا نحن الآن، ولا يمكن لكافة البشر إلى قيام الساعة أن نتعرَّف أو أن يتعرَّفوا على شخصية محمد بن عبد الله القائل والفاعل والمقرّر إلاَّ من خلاله، وليس من خلال النوع الأول.
    إن التفريق الدقيق بين هذين النوعين من أنواع التعامل مع مصدر الأقوال والأفعال والتقريرات ومنبعها، "محمد بن عبد الله"، يقتضي التنبيه إلى ضرورة التَّحرُّر أثناء "التعامل"، تحرُّراً تاما وكاملا، شكلا ومضمونا، من وهم الاعتقاد بوحدة الحال المعرفية والدلاليَّة بين من يسمع الرسول ويراه ويتعامل مع ما يرد عنه من ثم بشكل مباشر لا وسطاء فيه ولا سلاسل رواة. ومن يتعامل معه من خلال نصوصٍ منسوبة إليه وردته عبر حِقَبٍ زمنية طويلة، وعبر سلاسل معقدة من الروايات والأسانيد المتوارثَة.
    إن أهم وجه من أوجه انعدام وحدة الحال المعرفية والدلاليَّة بين السامع بالمشافهة والسامع بالرواية والإسناد، هو أن مقولةً مثل مقولة "لا تعارض بين النقل والعقل"، لا يمكنها أن تتحقق لدى الواحدِ منهما بالطريقة نفسها التي تتحقَّق بها لدى الآخر، إلاَّ إذا تمَّ افتراض التساوي التام والمطلق بين السماع بالمشافهة والسماع بالرواية، في صحة النسبة إلى المصدر، وفي الدلالة والحُجِّيَّة من ثم، وهو الأمر الذي لا يتحقَّق بأيِّ حال. فصحة النسبة إلى المصدر لدى السامع بالمشافهة مطلقة، بينما هي لدى السامع بالرواية نسبية مهما علت وارتفعت درجة اليقين والقطعيَّة فيها. وهو ما ينعكس حتما على الحجيَّة والدلالة لتغدوَ بدورها نسبية ظنية وليست قطعية بأَيِّ بحال.
    إن الصحابي الذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو رآه مباشرة، يفهم من مقولة عدم تعارض العقل مع النقل، أن رسول الله لن ينطق أو يفعل أو يقرِّرَ ما يتعارض مع العقل كما يفرض نفسه على العقلاء آنذاك. أي أنه ينتظر أداءً محمَّدِيَّاً نقيا صافيا لا تشوبه شائبةُ تعارضٍ مهما كانت صغيرة مع العقل، وإلاَّ لشكَّك في نُبُوَّته وطعن فيها على الفور.
    بينما نحن الذين ما رأينا رسول الله ولا سمعنا عنه، ولا وصلتنا أقواله وأفعاله وتقريراته إلاَّ مروياتٍ في أسانيد يجرها في ذيله تاريخ مثقلٌ بالأكاذيب وأغبرة الريبة والشك والصراعات التي لا تنتهي على السلطة والمصلحة والنفوذ، فلا يكفينا افتراض أن مقولة عدم تعارض العقل مع النقل هي ذاتُ ما فهمه الصحابي وتعامل على أساسه مع رسول الله.
    إن عدم تعارض العقل مع النقل بهذا المعنى لا يفيدنا في شيء ما لم نحاول إسقاطه على طبيعة وصول الرسول إلينا وخطابه لنا عبر أقواله وأفعاله وتقريراته. إننا بحاجة إلى مطابقة هذه النصوص المروية مع معطيات العقل لقبولها أو رفضها على أساس عقلانيتها أو لا عقلانيتها انطلاقا من افتراض أن ما كان منها غير عقلاني فلا يمكن لرسول الله أن يكون قد قاله أو فعله أو قرَّرَه أساساً.
    فإذا كان الصحابي يسمع صوت العقل في الأثير المرافق لأنفاس رسول الله وهي تنقل الكلمات والحروف والجمل لمجرَّد أنه رسول الله الذي لن ينطق إلاَّ بما كان عقلانيا بالضرورة، فإننا نحن، إنما نسمع صوتَ رسول الله ونشتم رائحة نبوَته في العقل الصادح من تلك الحروف والكلمات والجمل المنثورة أمامنا فوق صفحات الكتب كالموات تنتظر من يحييها بعجنها بعصارات العقل والعقلانية.
    إن كلَّ من يرفع شعار عدم تعارض العقل مع النقل ممن عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيُفْقِدُ شعارَه قيمَتَه ويحوِّلُه إلى لغو عقيم بلا معنى، إذا لم يقبل من حيث المبدأ إخضاع هذا الكم الهائل من المرويات أيا كانت مستويات صحتها السندية إلى هذا الذي يدعو إلى عدم تعارض النص معه، وهو العقل. تماما كما فعل الصحابي من حيث الجوهر عندما افترض أن رسول الله لن يصرِّح بما يخالف عقله، وهو يستمع إلى أقواله وينظر إلى أفعاله.
    إن مقولة عدم تعارض العقل مع النقل مقولة مُضَلِّلَة إذا لم تُحْسَم حدودُها حسما معرفيا واضحا. فهناك فرق كبير بين عدم تعارض العقل مع النقل، وبين عدم تعارض النقل مع العقل. أيهما هو الذي يجب ألاَّ يتعارض مع الآخر، العقل أم النقل. إن عدم التعارض المعرفي يقتضي سيِّدا معرفياًّ وتابعا معرفيا، ويفرض على التابع من ثمَّ عدم معارضة السَّيِّد، ولا يجيز وضع الاثنين في مستوى معرفي واحد، ثم نقول أنه لا يجوز أن يتعارض هذا مع ذاك. إن من يفعل ذلك يهرب من الحقيقة ويضلِّل الآخرين من حيث يدري أو لا يدري.
    فعندما نقول.. "لا يجوز للعقل أن يعارضَ النصَّ"، فهذا يعني أن النَصَّ هو الأساس وأن معطياته المعرفية هي المعيار والمقياس، وأن على العقل إذا أراد أن يدلي بدلوه في المعرفة أن لا يخرج عن الحدود التي وضعها النص، وإلاَّ فإن معرفته المُساَقَة تلك هراء لا قيمة له.
    وعندما نقول.. "لا يجوز للنص أن يعارضَ العقل". فإن المعنى المعاكس هو الذي يفرض نفسه، لتغدوَ المعادلة مطروحة بشكل يطلب من النص أن لا يخرج عن الحدود والأطر المعيارية التي وضعها العقل للمعرفة.
    إن مثل هذه المعادلة الغريبة لا يمكنها أن تكون مطروحة على ذهن من يعايش نزول الوحي، إطلاقا. لا يمكن لمن يسمع من نبي مُرْسَلٍ ويراه، أن تُثار لديه قضيةٌ عنوانها "تعارض المعقول مع الموحى به" – الذي هو المنقول بالنسبة للاَّحقين – لسبب بسيط هو أن الله الموجود في العقل وفي الوحي، حاضرٌ حضوراً كاملا في حالة معايشة الوحي. فثبوت النبوة بشكل أو بآخر يعني أن الرجل الذي يتلقى الخبر من السماء صادق، وبالتالي فمَنْ خَلَقَنا عقلاء مفكرين هو ذاته الذي يزودنا بمعارف عبر الوحي الذي نعايشه، وإذن فأين المعضلة؟! إنها غير موجودة على الإطلاق، لأن الله لن يكذب علينا، ولن يخالف في وحيه لنا ما أراده عبر عقولنا.
    تبدأ المعضلة تتكشَّف وتتكون وتتعمَّق منذ اللحظة التي يتحول فيها الوحي من حالةٍ معايَشَةٍ نَعِمَ بها من رأوا النبي وسمعوا منه فارتاحوا من معضلة الرواية، إلى حالةٍ مُخْبَرٍ بها منقولة عبر التاريخ برجالٍ تُمَرَرُ من خلال مروياتهم وقصصهم وأساطيرهم وأكاذيبهم وصراعاتهم وكلِّ نزواتهم وحالات قوتهم وضعفهم، كلُّ التبريرات المُرادَة لشرعنة كافة أوجه الصراع والاقتتال والاختلاف المتصَوَّرَة. وبما أنه لا مشكلة مثارة من هذا النوع إبان نزول الوحي، فإن إثارتَها بعد تحول الوحي إلى منقول ومُخْبَرٍ به، تكتسب مبرِراتها وأهمِّيَتها من السعي إلى إعادة الأمور إلى نصابها، عبر تنقية المعقول النبوي الموحى به إلى شخص النبي، من اللاَّمعقول الخبري المكذوب به عليه.
    إن استحالة افتراض تساوي حالتي الاستماع إلى النبي بالمشافهة المباشرة، والاستماع إليه عبر الرواية المنقولة، في ضرورة تطابق مُعْطَى العقل مع المضمون الوحيوي فيهما، نظرا لعدم ضمان تَحَرُّر الوحي بعد تحولِه إلى مادة منقوله، من عبث البشر وتحريفاتهم وتوظيفاتهم السياسية والمصلحية المختلفة، يقتضي التعامل مع تلك المادة الوحيوية المنقولة التي بين أيدينا، والتي لا نستطيع الجزم بتطابقها من عدمه مع الصيغة الموحى بها كما أوحي بها، بشكلٍ مختلفٍ عن طريقة التعامل المفترضة لأولئك الذين استمعوا إلى الرسول ورأوه مباشرة. ولأن العقل لا يخضع للتحريف، وليس مادة عرضة للتلاعب بها تاريخيا كما هو شأن النقل الذي يتعرض وحده لعبث البشر، فلا شك إذن في أن العقل هو السيِّد المعرفي، وفي أن النصَّ هو التابع المعرفي الذي يجب أن يثبتَ مشروعية ذاته من خلال عدم تعارضه مع العقل، وليس العكس.
    فعندما لم تكن هناك قضية مُثارة عنوانها "تعارض العقل والوحي"، إباَّن نزول الوحي للأسباب الموضوعية التي ذكرناها، فلن نواجَهَ بعقل يطالب بمشروعيةٍ لوحيٍ يعارضه، ولا الوحي سيُصْدَم بعقلٍ يناصبه العداء أساساً. لأن هذا لن يحدثَ البَتَّة. ولكن عندما أثيرت القضيَّة وما كان لها إلاَّ أن تُثار، بسبب التاريخ ومنطق الرواية وهي تُنْقَلُ من جيلٍ إلى جيلٍ على أسِنَّة الحراب والأهواء، وعبر أنهار الدماء والنزوات، فقد غدا من اللازم أن تثار بشكلها الصحيح الذي يضع العقل موضع السيِّد والنص والمنقول موضع التابع، كي تستقيمَ الأمور.



    ثانيا.. شكل التكامل المعرفي "الخبري والتشريعي" بين القرآن والسنة
    إن سياق النصوص القرآنية التي تحدثت عن طاعة الجانب الرسالي في شخصية محمد بن عبد الله واتِّباَعِه، لم تَتَوَلَّ مهمة تحديد أبعاد وضوابط هذا الجانب. فهي لم تحدد لنا أن مهمة محمد الرسالية تنحصر في كذا أو أنها تمتد لتطال كذا أو أنها شاملة للمجالات الفلانية والفلانية في الحياة. بل هي ذكرت لنا الموضوع بدون توضيح أو تفصيل، الأمر الذي يشير قطعا إلى أن تحديد ضوابط هذا الجانب من جوانب شخصية الرسول مرهون برؤىً تجيء من خارج حدود النص القرآني، وبالتالي ومن باب أولى من خارج حدود النص السُّنِّي نفسه. من هنا فلا ملجأ لمعرفة ضوابط وحدود هذا الجانب وحدود باقي الجوانب من ثم، إلاَّ إلى مصدر المعرفة الأساسي وهو العقل. على أن يكون واضحا أن دور العقل يتحدد في هذا الخصوص من خلال ما يمكنه أن يظهر له من عناصر خاصة تحكم العلاقة بين كل من القرآن والسنة بصفتيهما قناتين تمر عبرهما المفردات المعرفية الواردة لنا عبر المصدر المعرفي نفسه، وهو الوحي.
    فالعقل ليس فيه في حدود معارفه الضرورية ما يشير إلى ما يجب أن تكون عليه ضوابط الرسالية في شخصية الرسول. وبما أن القرآن ليس فيه شيء من ذلك أيضا، فإن العقل من خلال ما يتحدد فيه من علاقات يفترضها بين القرآن والسنة، وذلك بحكم طبيعة كل منهما كما فرضت هذه الطبيعة نفسها عليه، يستطيع أن يستنبط هذه الضوابط والحدود استنباطا منطقيا، وهذا ما سيتضح لنا خطوة خطوة في سياق هذا التحليل.
    إن الله أنزلَ وحيه الأخير عبر قناتين نقليتين مختلفتين هما القرآن الذي يعتبر خطابَ الله المباشر، والسنة التي تعتبر بمثابة الأداءات الرسالية لشخصية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. ومادام الأمر كذلك فلا شك في أن لكل قناةٍ منهما دورَها الخاص على صعيد إظهار المعرفة وتزويدنا بها، وإلاَّ فإن هذه الثنائية تغدو عبثا لا طائل وراءه، وتصبح بالتالي فاقدةً لأيِّ دلالة ذات قيمة أو منفعة. إن الحدود الفاصلة بين القناتين، الإلهية المباشرة والمحمدية النيابية أو المُكَمِّلَة، واضحةٌ وضوحا لا لبس فيه. وهو ما يجب أن تكون له دلالة تتناسب مع معتقد عدم العبث في الله. ولا يمكن لهذه الدلالة أن تكون واقعة خارج نطاق البعد الوظيفي لكل قناة من القناتين.
    إن العقلَ من حيث المبدأ يرسم الحدود المعرفية الدقيقة للتعامل مع نصوص الوحي عامة، أياَّ كان عدد القنوات التي سيتم تمرير تعاليم الوحي عبرها ومن خلالها. إنه ينظر إليها نظرة واحدة وشاملة بصفتها جميعها تمثل الوحي، وبصفة معارفها تمثل جميعها المعارف الوحيوية. والعقل بما هو عقل ليس معنيا بالتفريق من حيث طريقة التعامل بين أيٍّ من قنوات الوحي وقنواته الأخرى، إلاَّ إذا كشف الوحي نفسه عن فروقات بين تلك القنوات وعن دلالات لتلك الفروقات على الصعيد المعرفي، سواء كان ذلك الكشف مباشرا وواضحا أو ضمنيا. عندئذ سيأخذ العقل هذه الفروقات بعين الاعتبار ليكمل مهمة التحديد المعرفي المنوطة به إن كانت له مهمة واضحة ومحددة يستطيع القيام بها في ضوء الفروقات المعلنة وضوحا أو الملاحظة ضمنا بين تلك القنوات.
    وبعبارة أخرى أكثر وضوحا، فإن العقل ومعه التجربة من ثم، إذا كان يضع مجموعة من المعايير التي على الوحي أن يخضع لها وأن يعمل معرفيا في ضوئها ويُفْهَمَ بالتالي على أساسها، فإن هذه المعايير تنطبق من حيث المبدأ على الوحي كله قرآنا وسنة، وإذا تبين أن للثنائية المرئية دلالة على صعيد الدور المعرفي، فإنها ستفرضُ – أي هذه الثنائية – معاييرَ جديدة تعمل داخل مساحة عمل المعايير العقلية والتجريبية. أي أن هنالك دائرتين للمعيارية تُعاَلَجُ في ضوئها نصوص الوحي..
    الأولى.. الدائرة العقلية التجريبية التي تُعاَلجَ فيها نصوص الوحي عموما قرآنا وسنة.
    الثانية.. وهي دائرة أصغر تعالج فيها نصوص إحدى قنوات الوحي في ضوء هيمنة القناة الأخرى.
    ولا يصح مطلقا افتراض تساوي القناتين في الدلالة الوظيفية لما في ذلك من العبث واللاحكمة وانتفاء المعنى والدلالة عن ورود نصوص الوحي عبر قناتين منفصلتين انفصالا تاما من حيث المبدأ.
    ومن الواضح في الوحي الأخير الذي وصل إلينا عبر قناتين هما القرآن والسنة، أن الهيمنة والقيادة المعرفية إنما هي للقناة القرآنية. وأن القناة السُّنِّيَّة هي في هذا المجال تابعٌ ومقودٌ.
    وبالتالي فإن هناك ثلاثة معايير للتَّثَبُّتِ من إلزامية المرويات المأثورة عن الرسول الكريم، هي المعيار العقلي والمعيار التجريبي والمعيار القرآني. وإذا كان نص السنة يُعاَلَج في ضوء المعيارية العقلية والمعيارية التجريبية كما يعالج نص القرآن ولا فرق، باعتباره الشق الثاني من الوحي، أي باعتباره في نهاية الأمر وحيا. فإنه في ضوء المعيارية القرآنية يُعالَج كما يُقَرِّرُ ذلك القرآن نصا أو اقتضاءً، وذلك بحكم الدلالات العقلية لمتطلبات ومقتضيات الهيمنة والتوجيه والقيادة في مجال المعرفة.
    إن نص السنة في نهاية المطاف سيُحاكَم محاكمة مركبة جدا، وكأننا بالعقل وبالتجربة نحدد مساحة الوحي، ليقوم القرآن في الخطوة التالية بتحديد مساحة السنة في ضوء مساحته هو وفي ضوء هيمنته هو. ولأن القرآنَ وَحْيٌ كُلُّه، فهو مُلْزِمٌ كُلُّه بمختلف أوجه الإلزام التي يُمكن التوصل إليها عقلا أو قرآنا. وبالتالي فإنه يُكتفى لاعتبار أن ما نُسِب إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام غيرَ مُلزمٍ، وأنه إماَّ من مَحْضِ بشريته، أو مِماَ نُسِبَ إليه خطاً، مجرد فشله في الحصول على استحقاقات الإلزام في ضوء المعايير العقلية والتجريبية والقرآنية المشار إليها أعلاه.
    إن أيَّ موقف تَثَبُّتِّي نتخذه تجاه أيِّ نص وارد عن الرسول لا يمكنه أن يتعرض للدحض أو للتفنيد بردٍّ ينطوي على إشارة إلى حُجِّيَّة السنة، أي حجية ما يصدر عن الرسول. فعندما نؤمن بحجية السنة فنحن سنؤمن بها لكل ما سيثبت أنه من السنة، في حين أن هذه الحجية لن تنطبق على ما نتوصل – وفق مقاييس التَّثَبُّت التي نعتمدها– إلى أنه غير صحيح النسبة إلى هذه السنة. وهكذا فلا مكان استدلاليا في تحليلنا هذا لأيِّ آية قرآنية تحدثت عن ضرورة اتباع النبي وطاعته والتأسي به والالتزام بأوامره.
    من جهة أخرى لا تصح آلية أو قاعدة للتَّثَبُّت من المروي المنسوب إلى الرسول، إذا تم استنتاجها من نص مروي منسوب إلى الرسول ذاته. فهذا غير معقول ولا منطقي. فمادامت النصوص المنسوبة إلى النبي هي كلُّها جملةً وتفصيلاً مَحَلَّ تَثَبُتٍ للتأكد من صحة نسبتها إليه عبر مجموعة القواعد والآليات التي نحاول وضعها واستنتاجها وبلورتها في سياق علمي منطقي، فلا يمكن أن يُسْتَدَلَّ على هذه الأخيرة بنصوصٍ لا تثبت صحتُها أساسا إلاَّ بِها. وهذه قاعدة بديهية في أصول الاستدلال.
    من الناحية النظرية المجردة، قد يصح نصٌّ – في نسبته إلى الرسول – صح متنا ولم يصح سندا، بينما لا يصح نص صح سندا ولم يصح متنا، وذلك لإمكان أن يحدث خلل في سلسلة الرواة وهم يتناقلون متنا ورد من مصدره، لكن يستحيل أن يكون الرواة مصيبين في تناقلهم متنا غير صحيح، لاستحالة أن يصدر عن رسول الله أساسا متن يعارض العقل والتجربة ولا ينسجم مع أيٍّ من أنساقهما المعتمدة، بل وقد يعارض القرآن أيضا. وإذن فلا وجود في صحة المرويات عن الرسول لصحة مطلقة بأيِّ حال. بل إن الصحة نسبية، أو لنقل أنها واقعية عملية، أي تكفي عقلا لإيجاب العمل بالنص في ضوء استحالة الصحة المطلقة.
    إن هذه الاستحالة تَنَبَّه إليها بعض الحاذقين في علم الحديث حينما أكدوا على أن الحديث المتواتر ليس هو النص الذي يُنْقَلُ عن جمع يستحيل اجتماعهم على الكذب عن جمع يستحيل اجتماعهم على الكذب إلى منتهاه، بل هو النص الذي يُنْقَلُ عن جمع يستحيل اجتماعهم على الكذب عادةً، عن جمع يستحيل اجتماعهم على الكذب عادةً إلى منتهاه. وكلمة "عادةً" هذه، هي للدلالة على اللاإطلاق وعلى النِّسْبِيَّة الموجبة للعمل. ولكن الخطأ المطلق مُمكن في هذه المرويات، وذلك عندما يتحقق الخطأ في المتن بالتحديد. وبناء على ما سبق نستطيع أن نُصَنِّفَ النصوص المروية عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، على النحو التالي..
    1 – نص صحيح سندا، صحيح متنا، وهو نص صحيح صحة عملية، أي صحة موجبة للعمل به، وإن كان من الممكن ألاَّ يكون صحيحا في وروده عن الرسول نظريا، ولكن العمل به واجب نظرا لاكتمال عنصري الصحة العملية الموجبة للعمل، ولعدم إمكانية تَحَقُّق مستويات صحة أعلى من ذلك في الواقع، وإن كانت مستويات الصحة العملية نفسها متفاوتة من نص لآخر، ولعل هذا ما جعل علماء الحديث يفرقون بين أحاديث الآحاد والأحاديث المتواترة. كما أن معظم علم الحديث ومصطلحه وتصنيفاته تدور حول هذه المسألة المتعلقة علاوة على مقومات الصحة بدرجات الصحة.
    2 – نص صحيح متنا، غير صحيح سندا. وهو نص خاطئ خطأ عمليا، أي كاف لترك العمل به، وإن كان من الممكن أن يصح عن الرسول نظريا بسبب صحة متنه. ولكن العمل به غير ملزم ولا واجب نظرا لعدم اكتمال عنصري الصحة العملية الموجبة للعمل.
    3 – نص غير صحيح متنا، صحيح سندا، وهو نص خاطئ خطأ مطلقا، أي موجبا بصورة مطلقة لترك العمل به، ولا يمكنه أن يكون صحيح النسبة إلى الرسول رغم صحة سنده نظرا لاستحالة أن يرد عن الرسول متن خاطئ.
    4 – نص غير صحيح متنا، وغير صحيح سندا. وهو من باب أولى نص خاطئ خطأ مطلقا، أي موجبا بصورة مطلقة لترك العمل به.
    وهكذا يتضح لنا أن أي نص مروي عن الرسول يجب كي يصبح العمل به واجبا واقعيا وليس بصورة مطلقة، أن يصحَّ سندُه وأن يصحَّ متنُه في ذات الوقت. ولا يُلْزِمُنا بأيِّ حالٍ من الأحوال نصٌّ اختل فيه السند أو المتن أو كلاهما. ولا يبقى علينا سوى أن نحدد شروط صحة السند وشروط صحة المتن كي تتضح لنا من ثم شروط صحة النص المروي.
    ونوضح هنا للضرورة أننا عندما نقول بأن المتن يسقط إذا عارض العقل أو التجربة أو القرآن أو أياًّ من الأنساق المعرفية المعتمدة لكل من العقل والتجربة، فإننا لا نزعم أن السابقين وهم يدرسون المتن لم يقولوا بذلك، بل إننا نزعم أن قضايا جديدة دخلت في معاني التعارض مع العقل ومع التجربة ومع أنساقهما المعرفية وبالتالي مع القرآن ذاته، فرضتها التوسعات الهائلة التي حصلت في المساحات المعرفية الخاصة بالعقل وبالتجربة، وهو الأمر الذي يدعونا إلى أخذ هذه التوسعات بعين الاعتبار في سياق تحديد معاني التعارض النَّصِّي مع المرجعيات المعرفية المذكورة.


    توقيـــع :

     





  2. رقم #2
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-10-2012 الساعة : 05:00 PM

    باحث إسلامي



    رقم العضوية : 52
    الانتساب : Jun 2006
    المشاركات : 52
    بمعدل : 0.02 يوميا

    أوسمة العضو


    محمد جاد الزغبي غير متواجد حالياً




    الزميل الفاضل أسامة عكنان ..

    الإخوة الأفاضل القراء ..

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..



    تعالوا نفترض معا افتراضا خياليا مضحكا ,

    لو أن رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب أصلا قام فى أيامنا هذى فاتهم الأطباء وعلماء الأحياء بالدجل وقال إنهم يقولون بوجود الأمراض عن طريق مخلوقات لا ترى بالعين المجردة وهى الفيروسات والميكروبات ,

    وأنها تسبب كافة الأمراض التى يصاب بها الإنسان وهذا كله خرافات اخترعها الأطباء وأنها أشياء خرافية لا يقبلها العقل ويعجز الأطباء عن أن يأتونا بفيروس واحد نراه ونستكشفه بأعيننا !!

    تخيلوا معى لو أن رجلا قال ذلك

    ما هى ردة المتوقعة من الناس يا ترى ؟!

    وما هى ردة الفعل المتوقعة من الأطباء ؟!


    لا شك أن الناس سيتهمونه بالجنون , والأطباء سيتهمونه بالجهل المدقع وأنه تكلم فى غير مجاله ولا يصح لأحد أن يتكلم فى علم من العلوم ما لم يكن من أهله ..

    أليس كذلك ؟!



    والسؤال المرير الآن ؟!

    لماذا يأخذ الناس بهذا المنطق الصحيح فى كل العلوم , ولا يأخذون به فى علوم الشريعة !!

    لماذا تهون أمور الشريعة وعلومها الفذة من تفسير وحديث وعقيدة وفقه وتاريخ , إلى درجة أن كل الناس تتكلم فيها وتفتى

    ليس هذا فقط ,

    بل إن بعض الناس يصدر أحكاما أيضا قاطعا بوجود أمرا ما أو عدم وجوده هكذا عفو الخاطر دون أن يكون له أو لغيره أدنى معرفة بما يتحدث عنه , والأنكى أنه يجد له مستمعين بعد ذلك !

    فكيف هانت أمور الشريعة وعلومها إلى هذا الحد ولم نعد فى زماننا الحالى نبالى بأخذ علوم الشريعة عن أهلها , أو حتى بدراسة النذر اليسير منها قبل أن نشرع الأقلام ونطعن فيما أنزل الله تعالى وقاله النبي عليه الصلاة والسلام هكذا بمجرد الكلام المرسل بلا أدنى دليل تحت ذريعة العقل والبحث ..

    وأنا لا أعنى تحديدا موضوع الزميل أسامة , بل أتكلم عن مجمل المتكلمين فى أمور السنة النبوية وثبوتها عن النبي عليه الصلاة والسلام ..



    وهنا أتوجه للزميل أسامة , بسؤال منهجى ..

    ما هى القاعدة العلمية التى بنيت عليك بحثك هذا وما أوردته فيه من كلام خطير ــ سنعرض له ــ

    فمجمل البحث قائم كما أرى على إثبات أن العقل هو الحكم على النقل ,

    بمعنى أن العقل المجرد هو الذى يبين لنا الصحيح من الموضوع فى تراثنا الدينى ,

    وهذا الكلام ليس جديدا بل هو من مواريث فرقة المعتزلة أول الفرق الكلامية التى أجرمت فى حق الدين الإسلامى كله , وقالت فيه بأقوال لم يُسبق إليها

    فما هو الداعى وما هى الفائدة التى ستعود على الإسلام والمسلمين من إعادة وضع ترهات المعتزلة وكلامهم فى موضع البحث والتقرير , لا سيما فى زماننا المترع بالشبهات , والمترع بالجهل أيضا حتى أن ثقافة العوام منعدمة وليس الحال كما كان عليه السابقون حيث كانت الثقافة فرض عين

    وأنت هنا تشكك فى ميراث السنة , وتعتبر الأسانيد وعلوم الحديث ليست كافية لإثبات نسبة الأحاديث الصحيحة للنبي عليه الصلاة والسلام !

    وهذا فضلا على أنه قول مرسل لا تقوم به حجة , إلا أن خطورته تتمثل فى أنك تهدم وفى بساطة مدهشة أعظم إنجاز لأمة الإسلام عبر تاريخها , ألا وهو تفرد الأمة بدقة النقل والحفاظ على تراثها من القرآن والسنة حفظا كاملا من التلاعب وتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة فى إعجاز مذهل عبر مئات السنين أقر به حتى المستشرقون الذين درسوا الطريقة الإسلامية لإيجاد الشبهات حولها فعجزوا ..

    فهل يا ترى تعلم كيف نقل العلماء السنة النبوية وكيف حققوها ؟!

    ألم يكن جديرا بنا أن نحفظ جميل هؤلاء العمالقة الذين حفظوا لنا الدين ونقلوه لنا ومطالعة بعض منهجهم فى الدراسة والتمحيص قبل الطعن عليه .. ؟!



    وقد أعددت بحثا مختصرا أنوه فيه وأشرح باختصار كيفية نقل السنة النبوية لألقي بضوء يسير على الجهد العملاق الذى بذله الأئمة فى هذا الشأن .. وحتى لا أكرر كلامى فأنا أحيل القارئ المهتم بهذا إلى رابط الموضوع هنا :

    http://www.omferas.com/vb/showthread...252#post168252



    ونأتى لقضية علاقة العقل مع النقل ,

    ويؤسفنى أن أقول أن توصيفك للعلاقة بينهما وانتقادك لمسألة أنه لا تعارض بين العقل والنقل هو توصيف ملتبس وغير صحيح فضلا على ما يثيره من شبهات بحق القرآن والسنة معا وليس بحق السنة فقط ..

    لأن من نقل القرآن لنا بالأسانيد المتصلة هم أنفسهم من نقلوا إلينا السنة وبنفس الطريقة وبنفس المنهج ..

    فإذا طعنتم فى طريقة نقل السنة فسيعنى هذا منطقيا الطعن فى القرآن !

    فهل تقول بهذا يا ترى ؟!

    ولو لم تقل بذلك كما هو المتوقع فما هو معيار التفرقة إذا بين طريقة نقل القرآن والسنة وكلاهما معتمد على نفس المنهج ؟!

    وإن قلت الفرق هو تواتر نقل القرآن فأنت فى بحثك شككت حتى فى تواتر الأحاديث , والسنة كما فيها أحاد فيها المتواتر , ومع ذلك رأيناك تقول بتحكيم العقل على سائر نصوص السنة بل وتشكك فى حجية التواتر ذاته !



    والسؤال الهام أيضا ..

    إنك تفترض التعارض بين النقل والعقل , والصحيح أنه لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح وهذا ما أجمع عليه علماء الإسلام قاطبة ,

    وهو إجماع ونتيجة منطقية لأن من خلق العقل وهو الله عز وجل هو من أرسل النقل من قرآن وسنة فكيف يمكن أن يتعارضا ؟!

    فإذا حدث تعارض فبلا شك إما أن النقل غير صحيح , وإما أن العقل عالج المسألة بفهم مغلوط ..

    ولا يمكن تحكيم العقل فى المطلق على النقل فى المطلق , لأن الأصل هو النقل وهو الشريعة , والعقل تابع لها ووقاف عند حدودها فكيف نتصور خضوعها له ؟!

    يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:
    { العقل أصل في العلم بالنقل ، ليس أصلاً في ثبوته , لأن النقل ثابت قبل وجود العقل . فالنقل موجود في اللوح المحفوظ قبل ما تُخلق العقول وقبل ما تُخلق البشرية كلها ،
    فالله يقول: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) (الواقعة:75-78) ، والكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ ، (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) ،

    فلو كذَّبوا به هل سيؤثر ذلك في النقل؟ أبداً ، فالضرر سيقع على من يُكذِّب بالنقل ، والله تعالى يقول:

    ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ . أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ . وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (
    فمن أُرسل إلى الأولين من الأنبياء والمرسلين ، هل جاءوا بالعقل أم بالنقل؟ جاءوا بالنقل، قال تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ) فالذين كذَّبوا بالرسول هل أثَّر تكذيبهم في صدق الرسول؟!

    فالرسول صادق والنقل ثابت سواء صدَّقت أم كذبت ، فالعيب فيك وفي عقلك ، فإن آمنت سيعود الصلاح عليك ، وإن كذَّبت فسيعود الضرر عليك }

    انتهى كلام ابن تيمية ,



    وتعالى معى لنتعرف خطورة دعوتك بتحكيم العقل على النقل ..

    أولا : إذا قلنا بثبوت أن العقل و الأصل , فسنهدم الشريعة كلها وأولها العقيدة لأن العقل لا يقبل نصوص العقيدة القائمة على الغيب المطلق , فحقائق الإيمان كالرسل والبعث واليوم الآخر والقدر وعذاب القبر وسائر معجزات الأنبياء والصراط وغيرها كلها أمور غيبية لا يمكن للعقل تصورها ولا تمييزها والحل فيها الإيمان بوجودها كما هى طالما ثبتت لدينا بنقل صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام وفق منهج السند والمتن الذى قرره العلماء ,

    فلو حكّمنا العقل كيف سنؤمن يا ترى بحقيقة هذه الغيبيات , أم ترى الحل فى الكفر بها ؟!

    ثانيا : لو سلمنا بوجود التعارض بين العقل والنقل وهى القاعدة التى تقول بها فى مواجهة القاعدة الأصلية وهى عدم تعارض النقل والعقل , فسيعنى هذا أن ننكر الأحاديث المتواترة الخاصة بالعبادات والتشريع لأن بعضها غير مفهوم عقلا مثل مناسك الحج مثلا والصلاة وغيرها

    بل يستلزم أيضا أن ننكر القرآن والعياذ بالله لأن بعض آياته تتعارض ظاهريا مع العقل ومع بعضها البعض ..

    ثالثا : لو قلنا بتحكيم العقل وإهمال علوم الحديث التى تدرس الأسانيد والمتون وتخرج لنا بالثابت عن النبي عليه السلام وغير الثابت ,

    فما هو السبيل الذى سنتخذه لمعرفة التراث النبوى الصحيح يا ترى ؟!

    إن العقول والأفهام تتفاوت بتفاوت العصور وتقدم العلوم الدنيوية , كما تتفاوت العقول والأفهام مع بعضها البعض , فما تقبله أنت عقلا سيرفضه غيرك بنفس السبب ,

    فكيف سنتمكن من إثبات أى حديث عن النبي عليه السلام مع غياب المنهج الواضح لذلك ؟!

    أم أننا سنستغنى عن السنة يا ترى ؟!!

    رابعا : قال الله عز وجل فى كتابه ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )

    والذكر يشمل القرآن والسنة معا كما قال العلماء , ولو كان المقصود هو القرآن وحده لعبرت الآية بلفظ القرآن وحده لكن الذكر مشتمل على الوحيين معا , ولأن الشريعة لا تقوم بالقرآن منفصلا أبدا بل السنة جاءت متممة وأحيانا مفصلة وأحيانا شارحة لآيات القرآن ,

    فلو أن السنة النبوية الصحيحة التى ين أيدينا لم تكن صحيحة بمنطق عقلك , فكيف يتحقق وعد الله عز وجل بحفظ هذا الدين ؟!

    ومعلوم قطعا ــ حتى بالعقل وحده ــ أن السنة النبوية تم حفظها من أيام النبي عليه السلام إلى ما شاء الله ليقيم الله هذا الدين الخاتم وما جعله الله دينا خاتما إلا ليحفظه حتى تقوم الحجة على عباده يوم الدين فلو أن الوحى الشريف للإسلام ضاع كما ضاعت الرسالات السابقة كالتوراة والإنجيل

    فمعنى هذا أن حجة الله على عباده اليوم سقطت لأن الدين لم يتم حفظه وهذا بسبب موقع السنة من التشريع حيث أنها نصف الدين كله ..



    نأتى الآن للتعقيب على بعض عبارتك الخطيرة الواردة فى بحثك هذا :


    سياق النصوص القرآنية التي تحدثت عن طاعة الجانب الرسالي في شخصية محمد بن عبد الله واتِّباَعِه، لم تَتَوَلَّ مهمة تحديد أبعاد وضوابط هذا الجانب. فهي لم تحدد لنا أن مهمة محمد الرسالية تنحصر في كذا أو أنها تمتد لتطال كذا أو أنها شاملة للمجالات الفلانية والفلانية في الحياة. بل هي ذكرت لنا الموضوع بدون توضيح أو تفصيل، الأمر الذي يشير قطعا إلى أن تحديد ضوابط هذا الجانب من جوانب شخصية الرسول مرهون برؤىً تجيء من خارج حدود النص القرآني، وبالتالي ومن باب أولى من خارج حدود النص السُّنِّي نفسه. من هنا فلا ملجأ لمعرفة ضوابط وحدود هذا الجانب وحدود باقي الجوانب من ثم، إلاَّ إلى مصدر المعرفة الأساسي وهو العقل
    وأنا الآن غير مصدق لما قرأت !!

    فتعبيراتك غير الواضحة فى تلك الفقرة تشير إلى أمر لو صدق فهمى له لكانت مصيبة !!

    كيف تقول إن القرآن والسنة معا لم يحددا لنا حدود طاعة النبي عليه الصلاة والسلام أو الطبيعة الرسالية ــ حسب تعبيرك ــ فى شخصية النبي عليه السلام !!

    فالقرآن نزل موضحا لذلك فى عشرات الآيات التى توجب طاعة النبي عليه الصلاة والسلام ثم جاءت الأحاديث المتعددة توضح لنا سنة النبي عليه الصلاة والسلام بألفاظ لا تقبل الشك حيث حددت ما هو الوحى المنزل والذى تمثله الأوامر النبوية كالصلاة والحج وسائر العبادات والمعاملات ,

    وتوضح أيضا الجانب البشري فى شخصية النبي عليه السلام والتى لم يلزم بها أحدا بل قال أنتم أعلم بشئون دنياكم فوضح لنا أن أمور الدنيا فى غير ما نص عليه الوحى الشريف هى أمور متروكة لطبيعة الحياة وتقلباتها ..

    وهذه الحقيقة هى من المسلمات العقلية قبل تكون من المسلمات النقلية , فكيف تقول أن القرآن والسنة لم يوضحا ذلك ؟!

    ثم كانت الطامة الكبري فى قولك إن العقل هو المنوط به تحديد هذه الجوانب !

    هل تعلم ما معنى هذا الكلام ؟!ّ

    لو أننا اكتفينا بالعقل وحده حكما فى تحديد طبيعة طاعة النبي عليه الصلاة والسلام لكان علينا أن نقبل ونرفض أوامره بحسب اجتهاد عقولنا التى تحدد لنا ما هو الوحى الذى يجب اتباعه وما هو غير الوحى الذى يجوز تركه

    أى أننا سنحدد الدين لأنفسنا !!

    وهذا كلام خرافة لا يقنع عاقلا ,

    فكيف يجعل الله الخالق المشرع لعباده حق التشريع لأنفسهم وهو فى القرآن كرر أن الأمر كله له ؟!



    وتقول :

    ولا يصح مطلقا افتراض تساوي القناتين في الدلالة الوظيفية لما في ذلك من العبث واللاحكمة وانتفاء المعنى والدلالة عن ورود نصوص الوحي عبر قناتين منفصلتين انفصالا تاما من حيث المبدأ.
    ومن الواضح في الوحي الأخير الذي وصل إلينا عبر قناتين هما القرآن والسنة، أن الهيمنة والقيادة المعرفية إنما هي للقناة القرآنية. وأن القناة السُّنِّيَّة هي في هذا المجال تابعٌ ومقودٌ.
    هذا الكلام يضاد القرآن والسنة معا ..

    وينسي أو يتناسي أن القرآن والسنة كليهما وحى منزل , والإختلاف فى طريقة التوصيل ,

    فأنت تتعامل مع السنة باعتبار النبي عليه السلام هو صاحبها ومنشئها وتجعلها تدخل مع القرآن الكريم فى منافسة يهيمن أحدهما على الآخر فيها !!

    وهذا لا يوافق النقل ولا العقل

    فمن حيث النقل فإن النبي عليه عليه الصلاة والسلام قال ( ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه ) ويقول ( ألا إن ما حرم الله كما حرم رسول الله )

    وهذه نصوص صريحة لا تدع مجالا للشك فى تكامل القرآن والسنة وصدورهما عن منبع واحد وأن كليهما هما مصدر الدين ومن عند الله عز وجل ودور النبي عليه الصلاة والسلام هنا هو التبليغ ومن هنا جاءت كلمة ( رسول ) والرسول فى اللغة والوظيفة ليس له إلا حمل الرسالة وأدائها كما تمت تأديتها إليه وليس له أن ينفرد فيها بقرار بعيدا عن مصدرها الأول ..



    وتقول :

    نص صحيح سندا، صحيح متنا، وهو نص صحيح صحة عملية، أي صحة موجبة للعمل به، وإن كان من الممكن ألاَّ يكون صحيحا في وروده عن الرسول نظريا، ولكن العمل به واجب نظرا لاكتمال عنصري الصحة العملية الموجبة للعمل، ولعدم إمكانية تَحَقُّق مستويات صحة أعلى من ذلك في الواقع،
    من أين تأتى بهذا الكلام ؟!

    هل هناك عالم أو باحث قبلك قال بإمكانية وجود حديث صحيح السند سليم المتن ومع ذلك يفترض ولو نظريا عدم ثبوته عن النبي عليه الصلاة والسلام ؟!

    هذا محال قطعا , ولا يمكنك أن تقيم عليه دليلا لا من العقل ولا من النقل

    فمن ناحية العقل فإن كلام النبي عليه السلام تشريع وثبوت كلام غير صحيح عليه معناه أن الأمة ستجتمع على العمل بنص دينى غير صحيح وهذا مستحيل قطعا لأن الدين محفوظ

    ومن ناحية النقل فلا يوجد عالم واحد قال بمثل هذا ولا حتى طالب علم يعرف أبجديات الحديث وطرق نقله ..

    وما طالبت به أنت فى بحثك من دراسة المتون هو أمر وقع فعلا

    لأن ما لا يعرفه الكثيرون مع الأسف أن طرق النقل وتمحيص السنة النبوية لم تعتنى بصحة الأسانيد فقط , بل اعتنت أيضا بالمتن وبنفس الدرجة من الإهتمام ,

    فتعريف الحديث الصحيح عندنا يقول :

    ( هو نقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه بغير شذوذ ولا علة )

    فالشق الأول من التعريف هو الإسناد واشترط له العلماء الضبط والحفظ والعدالة ,

    والشق الثانى يخص المتن ألا يكون شذوذ ولا تكون به علة تقدح فى صحته حتى لو صح إسناده

    ومن هنا أنشأ العلماء فرعا كاملا من علوم الحديث اسمه ( علم العلل ) ولم يتركوا متنا لم يفحصوه وفق طرق معالجة المتون , كما أنشئوا علم الرجال لدراسة الأسانيد ..

    فالقول الصحيح أنه من الممكن وجود حديث ذو سند صحيح ولكن متنه غير صحيح لأنه معلول .. أو شاذ

    لكن من المستحيل أن يكون هناك نص ثابت السند والمتن ومع ذلك نتصور كذبه عن النبي عليه الصلاة والسلام ..



    وتقول :

    نص صحيح متنا، غير صحيح سندا. وهو نص خاطئ خطأ عمليا، أي كاف لترك العمل به، وإن كان من الممكن أن يصح عن الرسول نظريا بسبب صحة متنه. ولكن العمل به غير ملزم ولا واجب نظرا لعدم اكتمال عنصري الصحة العملية الموجبة للعمل
    لا يوجد شيئ فى علم الحديث بهذا الكلام ..

    فالنص إذا سقط سنده فهو ساقط سندا ومتنا بالتبعية , ولو أخذ العلماء بهذا المنهج لأثبتوا متونا صحيحة لا تعارض الدين ولكن النبي عليه السلام لم يقلها وغيره هو القائل ,

    وتوجد عشرات الأحاديث التى لا تتعارض متونها مع الشريعة ومع ذلك فسندها ساقط وبهذا لا يجوز نسبتها للنبي عليه السلام ولو من باب الفرض

    لأنه كما قلنا من قبل فعل النبي عليه السلام وقوله تشريع لا يمكن أن نقبل فيه حرفا زائدا أو ناقصا



    وآخر القول ..

    إننى أتمنى على من يمسك القلم فيكتب فى تلك المجالات الحساسة أن يراعى اعتبارات حال الأمة اليوم وكيف أن جمهور القراء على النت لا يمكنهم استيعاب معضلات علوم الشريعة , والشبهة التى لا تتعدى سطرا واحدا قد تحتاج شرحا بعشرات الصفحات حتى تزول عن أذهان الناس

    فانظروا إلى أقلامكم نظرتكم إلى السلاح الماضي ..

    فاعلموا أين تضعوه ,

    فهو كالمشرط فى يد الجراح .. مع المصلحين

    وكالسيف فى يد السفاح .. مع غيرهم


     





  3. رقم #3
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-11-2012 الساعة : 08:45 AM

    أديبة

    الصورة الرمزية ريمه الخاني

    رقم العضوية : 3
    الانتساب : Apr 2006
    الدولة : سوريا
    الاهتمام : المطالعة والكتابة
    الوظيفة : ربة منزل
    المشاركات : 31,686
    بمعدل : 10.45 يوميا

    أوسمة العضو


    ريمه الخاني غير متواجد حالياً




    السلام عليكم
    ويسعدني إضافة هذا الرابط لإغناء الموضوع ولمزيد من الاطلاع:
    http://www.omferas.com/vb/showthread...252#post168252


    توقيـــع :


    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    ( ليس عليك أن يقنع الناس برأيك ،، لكن عليك أن تقول للناس ما تعتقد أنه حق )


    يارب: إذا اعطيتني قوة فلاتأخذ عقلي
    وإذا أعطيتني مالا فلا تأخذ سعادتي
    وإذا أعطيتني جاها فلا تأخذ تواضعي
    *******
    لم يكن لقطعة الفأس أن تنال شيئا ً من جذع الشجرة ِ لولا أن غصنا ً منها تبرع أن يكون مقبضا ً للفأس .

    من مواضيع :

     





  4. رقم #4
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-11-2012 الساعة : 10:11 AM

    باحث وأكاديمي

    الصورة الرمزية مصطفى إنشاصي

    رقم العضوية : 18938
    الانتساب : Oct 2011
    المشاركات : 512
    بمعدل : 0.50 يوميا

    أوسمة العضو


    مصطفى إنشاصي غير متواجد حالياً






    الإخوة رواد منتدى فرسان الثقافةالكرام



    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



    أشكر الأخ جاد على ما تفضل به من طرح وتوضيح للكثير مما جاء في بحث الأخ أسامة وكم كنت أتمنى أن يكون لدي الوقت الكافي كي أشاركك في توضيح أيضاً بعض الأمور ولكني مضغوط جداً ودعنا من العزوف عن القراءةأو المتابعة ولكن سأنشر هنا ما سبق أن أرسلته لأختي العزيزة أم فراس حول هذا البحث الذي قرأته على حساب عمل كان يجب أن أنجزه ساعتها وذلك لأن مثل موضوعه أهم عندي من العمل خاصة وأني لاحظت من البداية أن فيه شيء غير صحيح،وقد سارعت بإرسال رسالة لأختي أم فراس هذا نصها:



    أختي أم فراس حياكِ الله



    لم أكمل قراءة موضوع الأخ أسامة عكنان بعد ولكني لم أحتمل الصبر إلى أن أنتهي وأنا أشعر أنه يمهد لأمر لا يمكن لمسلم سليم العقيدة والفهم لمعنى عدم تعارض النقل مع العقل أن يقبله وأسأل الله تعالى أن يخيب ظني السيئ ويكون غير ما أتوقع



    لذلك آمل التريث في النشر ويكفي أنك نشرته من خلال الرسائل الخاصة على البريد وليس في المنتدى أو الشبكة



    تحياتي



    وأكملت القراءة وما أن أنتهيت حتى كتبت لها ما يلي:



    الأخت العزيزة أم فراس



    انتهيت من قراءته قراءة سريعة لأني أريد أن أفهم غايته من وراء كل هذه الفلسفة والتطويل الزائد عن الحد وكأن علماء الحديث من السلف والمعاصرين تركوا مسألة في علم الحديث ولم يناقشوها، أو كأنهم كفواعن دراسة الأحاديث لمعرفة الصحيح منها من عدمه ووضع قواعد وضوابط لدرجة كل حديث وحكم العمل به حتى يأتي الأخ أسامة عكنان وغيره ليحاضر علينا بكلام مردود عليه في معظمه ولو كان لدي وقت أو رايق كنت فندت كل كلمة مما كتبه لأبين له أنه لا يحق له أن يكتب في موضوعات ليست اختصاصه ويتخذ من أدوات العلوم المادية الغربية الحديثة (العقل والتجربة) وسائل للحكم على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم



    إن تم نشره أرى حذفه أو حضره لأنه غير مناسب نشره في مثل هذا المنتدى ولأن هذا العلم (علم مصطلح الحديث) مازال سارياً ومن فضل الله تعالى أنه في كل جيل يوجد في الأمة علماء حديث ينقحون ويصححون أحاديث الرسول ولكن على أساس قواعد علم الحديث وليس على طريقة عكنان



    هذا رأي ولك الحرية في ما اقترحته من عدم نشره أو حذفه أو حضره



    وتقبلي خالص تحياتي



    مصطفى إنشاصي



    وأكرر شكري للأخ محمد جاد على سرعة رده فأنا يا دوب وصلت المكتب في العمل وفتحت البريد ورأيت الرسالة وبدل أن أنجزعملي قرأت الرد ولضيق الوقت وواجب المشاركة مضطر لنشر ما سبق أن أرسلته لأختي أم فراس



    وكم أتمنى على أصحاب الأقلام الشريفة والحرة ألا يدلوا بدلائهم في غير اختصاصهم وإن اضطروا للكتابة فليكن بحذر وليس ما يقلونه وكأنه مسلمات ونتائج صحيحة لما ذهبوا إليه خاصة إذا كان الأمر له علاقة بالعقيدة وأمور الدين



    وتقبلوا جميعاً خالص تحياتي


     





  5. رقم #5
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-11-2012 الساعة : 12:55 PM

    شاعركبير ومحلل سياسي

    الصورة الرمزية عبد الرحيم محمود

    رقم العضوية : 1293
    الانتساب : Feb 2008
    المشاركات : 2,219
    بمعدل : 0.94 يوميا

    أوسمة العضو


    عبد الرحيم محمود غير متواجد حالياً




    أتشرف بتحية من سبقني وعلق على الموضوع ، وأضيف : إن الأسلوب التشكيكي الذي كتب به الموضوع يثير الاستغراب والاستهجان ، فمن المعروف أن ما كان معقولا بالأمس ثبتت عدم معقوليته اليوم ، فالعقل ليس المقياس الذي لا يخطيء ، ولا يزيغ ، وهناك ما هو معقول عندي وليس معقولا عندك أيها الكاتب ، أتخمت مقالتك بمصطلحات قصدت منها تشويش القاريء وتركه يتخبط في تناقض الكلمات ومفاهيمها ، وتشتيت فكر القاري بما يحدث تصدعات فكرية وشقوق تنفث منها سموم بحثك ، هنا أرى نسفا للإسلام بشكل سافر وتشكيك بالقرءان والسنة بشكل لا يطاق ، ولو تكرمت أعطنا أمثلة على تصنيفاتك الأخيرة حتى نقتنع - ولن تملك - بما تقول ولن نقتنع لأنك لا تملك القدرة على إعطاء الأمثلة !!!


     





  6. رقم #6
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-11-2012 الساعة : 01:06 PM

    قلم نشيط/أولى خريجات الرقمي

    الصورة الرمزية راما

    رقم العضوية : 2987
    الانتساب : Mar 2009
    المشاركات : 2,353
    بمعدل : 1.19 يوميا
    راما غير متواجد حالياً




    السلام عليكم
    الإسلام رغم سوء سلوك المسلمين عامة, دين عميق الغور ثابت القواعد صائب النظرة الموضوعية ,لا يمكن زعزعته أبدا , بل من يناله بسوء سوف يهتز هزرا مؤذيا.
    شكرا للأساتذة الذين ردوا جميعا.


    توقيـــع :
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء
    رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
    **************
    قال ابن باز رحمه الله
 :

    لباسك على قدر حيائك
    وحياؤك على قدر ايمانك

    كلما زاد ايمانك زاد حياؤك
    وكلما زاد حياؤك زاد لباسك

    من مواضيع :

     





  7. رقم #7
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-12-2012 الساعة : 01:54 PM

    باحث وروائي

    الصورة الرمزية أسامة عكنان

    رقم العضوية : 15204
    الانتساب : Aug 2011
    المشاركات : 434
    بمعدل : 0.40 يوميا

    أوسمة العضو


    أسامة عكنان غير متواجد حالياً




    السادة المحترمون في موقع فرسان الثقافة الأغر
    تحية وبعد
    رد على تعليقات
    أسامة عكنان
    بداية أود أن أشير إلى أنني لم أتوقع أن يناقش موضوع علمي بالتشكيك في نوايا كاتبه، فهذا أبعد ما يكون عن العلمية التي افترض مدعوها أنها غير موجودة في المقال..
    أفهم جيدا أن يتم الاختلاف مع الموضوع جملة أو تفضيلا، لكني لا أفهم روح المصادرة والوصاية التي نضحت من الكثير من الردود..
    هذا مؤسف حقا..
    لا أنكر أن الموضوع حساس ومثير وغير هين..
    أرجو أن يقبل كل من اعترض على مقالتي وما جاء فيها، دعوتي للجميع كي نخرج من شرنقة التشكيك والوصاية والقمع، فليس أحدكم ولا أيٌّ منكم بأحرص على الإسلام مني، وليس رأي أيٍّ منكم ولا موقفه من قضية هنا أو قضية هناك يختلف معي فيه أيا كان مستوى الخلاف، هو ما يعطيه حق الوصاية على دين يعتقد أنه يرعاه بروح الوصاية هذه أكثر من غيره الذين قد يكونون أكثر غيره منه عليه وإن يكن بطريقتهم في الغيرة وفي الدفاع دون وصاية أو استعلاء..
    أما بعد..
    فلن اختلف كثيرا مع من قال أن إثارة هذه المواضيع في مثل هذه المواقع ليس مستحبا ولا محبذا لأنها مواضيع شائكة تتطلب منابر علم ومعرفة وكتبا ومجلدات ودراسات معمقة وليس مجرد مقال هنا أو مقال هناك..
    وأنا من جهتي قد فعلت وألفت في الأمر كتابا ضخما يقع في 500 صفحة عنوانه "تجديد فهم الإسلام" وضعت فيع عصارة ما توصلت إليه من فهم قد أكون فيه محقا وقد أكون فيه غارقا في القصور ومن أراد فهم رؤيتي أن يرجع إليه، فالأمر هناك أولى..
    ومع ذلك فإنني أقول..
    إن هناك ترتيبا منطقيا في تسلسل الموضوعات كي نصل إلى إجابات من تلك التي أثارها الإخوة الأفاضل المعترضون، وبالنظر إلى ذلك فإنني سأبدأ من حيث أرى أن ذلك يمثل بداية السلسلة المعرفية التي قد توصلنا إلى الحقيقة من وجهة نظري بطبيعة الحال، وكلي أمل في ألا ننفعل وألا يحكمنا النزق، وأن تسودنا روح الحوار ابتغاء الحقيقة بعيدا عن الوصاية والاستعلاء والتكفير وسوء الظن ومحاكمة النوايا والتشكيك فيها، فنحن كبشر ملزمون بالظاهر، والظاهر هو ما نقوله وما نراه ليس إلا..
    كما أنني أود أن أشير إلى نقطة هامة مفادها أنني ما نشرت هذا المقال إلا بناء على طلب من أصدقاء وليس رغبة مني، فأنا مثل من قال أن المكان غير مناسب ولا كاف لهكذا مواضيع..
    لكن الأمر قد حصل وعلينا إعطاءه حقه..
    والله من وراء القصد..
    أبدأ ردي بمقدمة أراها ضرورية بسبب ما لمسته في صميم أحد الردود من أحد الإخوة الأفاضل أرى بموجبها ما يلي..
    ما يعرفُ بنقلٍ محلَّ تساؤلٍ عن ثبوته، لا يُسْأَل عنه "كيف كنا سنعرفه لولا ذلك النقل؟"، كي يُسْتَدَلَّ بضرورة معرفته على ضرورة ذلك النقل.. هذا تفكير مقلوب لا قيمة موضوعية له وهو خلاف المعقولات.. فالنقلُ المتساءَل عنه لا يثبت بالانطلاق من ضرورة ما ثبت عنه.. لأن التساؤل عن ذلك النقل يجعل كلَّ ما قام عليه محلَّ تساؤلٍ أصلا.. وبالتالي فلا يُقال عند العقلاء: كيف كنا سنعرف "عذاب القبر، وأخبار الصراط، وصفة الجنة، وصفة النار، وصفة الملائكة، وأمارات الساعة، وملاحم آخر الزمان، وقصص الأمم الهالكة، وصفة الصلاة، ومناسك الحج.. إلخ".. إذا لم يرد ذلك النقل ليُعَرِّفَنا عليها؟! هذا سؤال ساذج يشي بانعدام المنهج العقلي والعلمي في التفكير.. فتلك الأمور عرفناها على ذلك النحو، وسمعنا عنها وشكلنا تصورات بخصوصها لم تكن موجودة لدينا قبلا بتلك الطريقة، من خلال النقل، وبالتالي فلو تساءلنا عن ذلك النقل وشككنا في موثوقيته، فكم يغدو من الحماقة أن يقالَ لنا أن الدليل عليه وعلى مصداقيته أن تلك الأمور التي ما عرفناها إلا به كيف تثبت لولاه؟! فما لا يقوم العلم به إلا بخبر يسقط بسقوط الخبر، ويصبح موضع شك بالقدر نفسه الذي يصبح فيه الخبر الذي أعلن عنه موضعَ شكٍّ أيضا.. الصواب والمعقول أن نقول: "إن عذاب القبر، وأخبار الصراط، وصفة الجنة، وصفة النار، وصفة الملائكة، وأمارات الساعة، وملاحم آخر الزمان، وقصص الأمم الهالكة، وصفة الصلاة، ومناسك الحج.. إلخ".. صحيحة إذا صح النقل الذي أعلن عنها وأخبر بها، وإذا لم يصح ذلك النقل فهي ليست صحيحة.. وبالتالي فلا قيمة لمن يسأل: "كيف سأعرف كيف أصلي إذا لم يشرح لي الرسول ذلك؟".. ويستنتج من هذا الأمر أن ما نقل عن الرسول ضروري كي نعرف كيف نصلي، لأن الرد بكل بساطة هو أننا لو لم نتلق أخبارا ومنقولات عن كيفية الصلاة لما اتهمنا الرسول بالتقصير لسبب بسيط هو أننا لن نكون معنيين بالتعامل مع أكثر مما وردنا، وكنا سنعتبر أن ذلك الوارد من النقل هو قصارى ما يلزمنا.. من هنا نؤكد مجددا على أن مناقشة الخبر تصحيحا أو تضعيفا لا يرد عليه بحاجتنا أو بعدم حاجتنا إليه، لأن حاجتنا ليست قائمة إلا لنقلٍ ثبتت صحته وثبتت حجيته في الوقت ذاته..
    وبعد هذه المقدمة أرجو أن أبدأ مسيرة عرض أفكاري الفلسفية والمعرفية الأساس التي أوصلتني إلى جاء في هذا المقال بخمسة مقالات بدون نشرها وقراءتها كاملة لن تتحقق لنا البداية الصحيحة لاستكمال الحوار..
    وهذه المقالات الخمسة هي..
    المقال الأول.. الخلل في تصور العقل الذي تتم معارضته لدى التجريبيين ولدى الوحيويين على السواء
    المقال الثاني.. الدوائر المعرفية الثلاث، وتحديد آلية انعكاس الواقع الموضوعي في "العقل"، أداة "الإدراك" الأولى، ودائرة "المعرفة" الوسطى..
    المقال الثالث. المعرفة بين مقولتي التسلسل والقيام بالذات..
    المقال الرابع.. العقل، التجربة ثم الوحي، هي مصادر المعرفة..
    المقال الختمس.. مكانة التجربة في المعرفة.. العلاقة بين التجربة والعقل..
    ثم بعدها يبدأ النقاش في المنهج الذي توصلت إليه بناء على الأسس المعرفية التي ستتضح في المقالات الخمسة المذكورة..
    فمن كان قادرا على تخطئة المنهج المعرفي في هذه المقالات فيحق له اعتبار ما توصلت إليه بناء عليها خطأ، أما من لم يستطع ذلك، وأقر بما جاء فيها فليس من حقه أن يلزمني معرفيا إلا بما ينتج عنها، وإلا فإنه مخالف للمنهج العلمي ولكل حيثيات الموضوعية..
    مع خالص الشكر والتقدير..
    المقال رقم 1
    الخلل في تصور العقل الذي تتم معارضته لدى التجريبيين ولدى الوحيويين على السواء
    من أين وكيف نبدأ لكي لا نكون تقليديين ولا أكاديميين في عرض موضوع المعرفة بشكل يوضح تعقيداته بدون تعقيد؟!
    لا يسعنا أن نبدأ الحديث عن المعرفة في فضاء السؤال السابق إلاَّ بمحاولة تنقيةِ أداتها الرئيسية التي هي "العقل" كما سيتبين لنا لاحقا من الشوائب التي لحقت به، جراء أغبرة التجريبيين - الذين يعتبرون التجربة هي مصدر المعرفة الأساس والأوحد – حينا، وأتربة الوحيويين – الذين يعتبرون الوحي هو الحكم على كل من التجربة والعقل – حينا آخر. وكأننا أمام صورته المُلَوَّثَة بالشوائب تلك، بإزاء قوم افترضوا له فهما خاصا بهم هم، من وحي آلامهم أو آمالهم، وربما من وحي عقدهم وأمراضهم، أو حتى مصالحهم وامتيازاتهم، ثم راحوا يحاربونه في ضوء هذا الفهم الخاص، غير مبالين بحقيقته النقية الناصعة البعيدة عن كل تصوراتهم وأوهامهم، والتي لم يعارضوا عندما عارضوا في واقع الأمر أياًّ من معطياتها الحقيقية، نظرا لاستحالة ذلك.
    إن معاداة العقل أو عدم الالتزام بمقتضيات هيمنته على البناء المعرفي، ملهاة عبثية تُحَطِّم من حملوا لواءَها قبل غيرهم. ولعل الفارابي قد تنبه إلى هذا الشيء الغريب الذي يعاديه علماء الكلام المسلمين عندما يَدَّعون معاداتهم للعقل ومعارضتهم له.. تنبه إلى أنه شيء آخر غير العقل، وأن كلمة (العقل) التي يستخدمونها ليست أكثر من كلمة تطلق على الأفكار التي يؤمن بها عامة الناس. فهو يقول.. ".. أماَّ العقل الذي ما فتئ المتكلمون يتحدثون عنه، فعندما يقولون عن شيء هذا يفرضه العقل أو ينكره أو يقبله أو لا يقبله، فإنهم يعنون بذلك شيئا يقبله كل الناس عندما يبدأون في التفكير. فهم يطلقون كلمة العقل على الأفكار التي يؤمن بها عامة الناس. وعلى رغم أن المتكلمين يقولون إن العقل الذي يتحدثون عنه فيما بينهم هو العقل الذي تحدث عنه أرسطو، فإنك إن تفحصت المقولات التي يبدأون منها، فإنك ستجد أنها كلها دون استثناء مستمدة من آراء العامة. ولذا فإنهم يعلنون أمرا ويستخدمون آخر..". (من كتاب فجر العلم الحديث، توبي هف، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، عدد 260 ، ص 130).
    وهذا قول صحيح للغاية. إذ كيف يمكن اعتباره متحدثا عن العقل أو ناقدا له من يرده بعبارةٍ منسوبة إلى أحد الصحابة الكرام يقول فيها.. "لو كان الدين بالرأي لكان المسح على الخفين باطنه أولى من أعلاه"؟ أو من يرده بدعوى تعارضه مع حادثة الإسراء والمعراج؟
    إن من يفعل ذلك في واقع الأمر يخلط خلطا كبيرا بين العقل والتجربة، ولا يفرق بينهما ولا يعرف الحدود الفاصلة بين دوريهما المعرفيين، وكل ما ليس نَصًّا مقدسا فهو عنده عقل. بينما لا يوجد في العقل ما يمنع من صعود إنسان إلى أقاصي الكون وعودته إلى الأرض في بضعِ ليلة. وليس فيه ما يمنع من أن يكون المسح على الخفين بديلا لغسل القدمين في الوضوء، أي أن الطهارة المتحققة في الحالتين – المسح من أعلى ومن أسفل – هي عند العقل سواء، ولا يوجد لديه أيُّ حكمٍ بخصوص أيهما أكثر تحقيقا لها، هل هو المسح من أعلى الخف أو من أسفله، بل هل المسح من حيث المبدأ أم الوضوء بالماء.
    إن مشكلة نصوصٍ من هذا النوع ليست مع العقل، بل هي مع العلم، أي مع التجربة، المصدر الثاني للمعرفة. والتجربة والعقل شيئان مختلفان اختلافا جوهريا من حيث طريقة كلٍّ منهما في الكشف عن الواقع الموضوعي، وتَعَارُضُ النَّصِّ مع أحدهما ليس بالضرورة تعارضا مع الآخر، فالتعارض مع العقل هو تعارض مع العقل، والتعارض مع التجربة هو تعارض مع التجربة فقط.
    فرحلة الإسراء والمعراج تعصى على الفهم بمقاييس التجربة المتاحة للبشر آنذاك، أو ربما حتى في وقتنا الحاضر. لكنها لا تعصى على تصور العقل وإدراكه. فليس في العقل بموجب طبيعته في ملامسة الواقع الموضوعي ما يمنع أن تكون لدى الإنسان قدرة تتيح له أن ينتقل من أقصى الكون إلى أقصاه في لحظة. والمسح على الخفين يعصى على الفهم التجريبي الحِسِّي المعهود، إذا فُهِمَ هذا المسح على أنه نوع من النظافة الشبيهة تماما بالنظافة الناتجة عن غسل القدمين كاملين بالماء بدون ارتداء الخفين. لكنه لا يثير مشكلة لدى العقل الذي لا فرق فيه بين المسح على الخفين وأي طريقة أخرى لتحقيق النظافة.
    وجدنا أن هذا المدخل غير التقليدي في الحديث عن أداتي المعرفة الرئيسيتين العقل والتجربة، هو المدخل الأكثر قدرة على وضع الأمور في سياقها المعرفي الصحيح. فماذا بعد ذلك؟!
    إذا كان الوحيويون ونقصد بهم انصار أسبقية الوحي في المعرفة على كلٍّ من العقل والتجربة، امتهنوا العقل بأن حاربوه وهم يجهلون حقيقته، فإن التجريبيين من جهتهم قد امتهنوه بأن نحروه على مذبح الأَناَنِيَّة المفرطة التي تعني استفادتَهم منه كي يؤصلوا لفلسفتهم ويؤسسوا لها، ثم التنكر له والتخلي عنه وضرب عرض الحائط به.
    فعندما نسمع من يقول عن العقل أنه لا يعمل إلاَّ في إطار شروط مستمدة من خارجه، "أما حين يكون خاصا منفكا من هذه الشروط فإنه لن يُوَلِّدَ حينئذ فلسفة بل لغوا غير مشروع.. وهكذا لا يقوم العقل أبدا في فراغ بل يعمل دائما في إطار مشروط موضوعيا وتاريخيا، ولذلك فإن الحديث عن أولوية العقل يعد حديثا زائفا لأن هذه الأولوية لا توجد أبدا حتى في أشد صور الفلسفة تجريدا وصورية". (د.على مبروك. كتاب النبوة. ص 108).
    نقول.. عندما نسمع من يقول ذلك عن العقل، فإننا نندهش من هذا التنكر لطبيعة المعرفة، ومن هذا العقوق لدور العقل فيها. فكيف تتكون المعرفة وكيف تتكون مفرداتها إذن، إذا لم تكن هناك نقطة بداية تنطلق منها، لتتعامل مع الشروط التاريخية والموضوعية – الخارجية – بعد ذلك؟ وما معنى أن يتم تعريف العلم "باعتباره البحث عن عناصر الثبات والوحدة وسط كل مظاهر التَّغَيُّر والتحول"، وإنكار دور العقل في أن تكون له ثوابته وسط هذا التغير والتحول؟
    إن المعرفة هي الكشف عن الثابت في الوجود حتى وإن كان ثابتا يؤسس للتغير والتحول ويفسره. وبالتالي فلا معنى على الإطلاق لرفض ثوابت العقل التي ينطلق منها الإنسان لتكوين معارفه ولتنميتها، مادمنا نقبل بوجود ثوابت في الواقع الموضوعي تتولى التجربة البحث عنها واكتشافها. فرفض الثوابت إن كان سيطال العقل فيجب أن يطال غيرَه، والقبول بوجود الثوابت إن كان سيطال الواقع الموضوعي، فيجب أن يطال العقل بصفته أداةً أساسا في اكتشاف هذا الواقع.
    لو قُدِّرَ لنا أن نكون بمستوانا المعرفي الحالي مرافقين لبواكير الوعي الإنساني منذ أقدم العصور، هل كنا سنتنكر للعقل حتى وهو يمارس الوعي في أكثر صوره بدائية وفجاجة؟
    إن حواس الإنسان هي ذاتها حواس الحيوان من حيث الوظيفة والآلية. والحيوان يمارس حياته الغريزية في ضوء ما تلتقطه حواسه، فلماذا لم تُسْعِفْ الحيوانَ حواسُّهُ كي يُنْشِئَ معرفة وفكرا وحضارة، بينما أسعفت الإنسان حواسُّه في ذلك؟ ما الذي جعل الإنسان يختلف عن الحيوان الذي يشبهه في حواسه إلى حد كبير، لو لم يكن الإنسان قد قفز بإنسانيته إلى مستوى راقٍ من الوعي يتفوق على الحس ويتمكن من توظيف مُلْتَقَطاَتِ هذا الحس بخلاف الحيوان؟
    إننا في واقع الأمر نندهش أشد الاندهاش ونحن نحاول أن نتعرف على أيِّ نوع من الفائدة يمكن لهؤلاء أن يجنوها وهم يعلنون لا أولوية العقل، مع أنهم مضطرون لاستخدام معارفه الأولية التي تنكروا لها. فكل الحقائق التي توصلوا إليها بتجاربهم الصحيحة، هي حقائق علمية لا يتنكر لها العقل، لأنه كان – اعترفوا بذلك أو لم يعترفوا – المرتكز المعرفي الذي استندت إليه تلك التجارب كي تتوصل إليها. فعلام الوقوع في هذا الضرب الثقيل من ضروب التناقض، والاضطرار إلى ادعاء رفض العقل كأداة معرفية أولى، واللجوء إلى استخدامه من تحت الطاولة مرة أخرى؟
    ليس من الصعب استشراف معالم هذا الضرب الخطير من ضروب "الخداع المعرفي" الذي مارسه أنصار المذهب التجريبي، وهم يحاولون التأسيس بتصنع وتكلف واضحين لبناءٍ معرفي، يتيح لهم ادعاء الإلمام بالواقع الموضوعي دونما حاجة إلى العقل، الذي لو اعترفوا بالحاجة إليه، لكانوا مضطرين للتعامل مع طبيعة القضايا المعرفية التي يُلْزِمهم هذا العقل بالبحث فيها ومناقشتها، وعلى رأسها قضايا "الله" و"الزمان" و"المكان" و"جوهر وعرض المادة" و"النبوة" و"البعث".. إلخ.
    لقد أراد التجريبيون التأسيس لمنظومة معرفية تتيح لهم تغطية الوجود الذي اعتبروه ماديا لا يخضع في التعرف عليه وفي اكتشافه إلا للتجربة وللحس، دون الاضطرار للاعتراف بهيمنة أداة معرفية ستجرهم بطبيعتها ورغما عنهم وبشكل موضوعي إلى مناقشة قضايا غير تجريبية وغير حسية كتلك التي ذكرناها سابقا، لأنهم انطلقوا من موقف معرفي "أبستيمولوجي" ووجودي "أنطولوجي" مسبق، هو الحرص على أن تكون المنظومة المعرفية التي يؤسسون لها ويبحثون عنها، قادرة على تحييد الدين المسيحي وهيمنة الكنيسة، وبالتالي مرجعيتها "الله" و"النبوة".
    ومن هنا فقد كان من الضروري أن تكون الهيمنة والريادة لهذه الأداة المعرفية التي لا تنطوي بموجب طبيعتها على أيِّ قدرة على التعاطي مع غير الوجود المادي المحسوس، فكانت "التجربة". أي أنهم – مع الأسف – انطلقوا من حالة اللاحياد المعرفي، ولم يكونوا في واقع الأمر طلاب حقيقة، بقدر ما كانوا طلاب "خدعة معرفية" تتيح لهم تحقيق الغاية المذكورة.
    وعلى الرغم من أن واقع اللاهوت وإفرازاته الدينية المختلفة، دفعت جميعها وما تزال تدفع باتجاه الشعور بالكارثة المعرفية والتاريخية والمجتمعية التي نتجت عن استخدام ذلك اللاهوت لتبرير كل أنواع الظلم والقهر والاستلاب والتجهيل والطبقية.. إلخ، إلا أن الخروج من براثن هذه الكارثة، لا يتحقق بخدعة معرفية تعمل على ليِّ عنق الحقيقة وتزوير الأنساق المعرفية، لأن الموضوعية في ذاتها كانت كافية لتحريرنا من هذا المأزق دونما حاجة إلى هذا التضليل والتزوير.
    ولكن هؤلاء التجريبيين أوقعوا أتفسهم في مأزق حقيقي عندما حاولوا تأصيل تلك الخدعة المعرفية. فعلاقة العقل بالتجربة ليست علاقة اختيارية، لأن التجربة بطبيعتها ليست مصدرا أصيلا قائما بذاته في إنجاز المعرفة واكتشاف الواقع الموضوعي، فهي مضطرة كي تمارسَ هذا الدور المعرفي الهام المنوط بها، لأن تعتمد على مفردات معرفية يقينية قاطعة غير تجريبية، بل عقلية.
    فالمعرفة ليست إما نتاجا للعقل وإما نتاجا للتجربة، كي نقول أنه يمكننا بالاعتماد على إحدى هاتين الأداتين أن نستغنى عن الأداة الأخرى، إذا رأينا أن هذه الأخرى قد تورطنا في موضوعات لا نريدها، في حين أن رديفتها تغنينا وتكفينا!!
    بل إن المعرفة هي نتاج الأداتين معا ضمن علاقة خاصة بينهما تحدد لكل منهما دورَها ومكانتَها في السُّلم المعرفي. فالعقل وحده، هو أداة معرفية عاجزة عن استكمال الصرح المعرفي الذي تستطيع التأسيس له، والتجربة وحدها كذلك، هي أداة معرفية تفتقر إلى أيِّ قدرة على التأسيس لصرح معرفي، تتمثل مهمتها الأساس في استكماله في ضوء التأسيسات العقلية.
    وبالتالي فقد وجد التجريبيون أنفسهم معنيين – كي يُشرعنوا مذهبَهم الداعي إلى هيمنة التجربة على العقل كأدوات معرفية – بالتوجه إلى محاولة إثباتِ تجريبيةِ وحسيةِ المبادئ العقلية ذاتها.
    أي أنهم راحوا يعملون على إثبات أن كافة المفردات المعرفية التي نعتبرها ويعتبرها معظم العقلاء والفلاسفة عقلية وقائمة في ذاتها بعيدا عن الحس والتجربة، مجرد مفردات حسية وتجريبية، وذلك بسبب أنهم رغم تأكيدهم على هيمنة التجربة في المعرفة، انتبهوا إلى عدم قدرتهم على الاستغناء عن مفردات العقل غير التجريبية، فكان لزاما أن يُظْهِروا حتى تلك المفردات العقلية باعتبارها تجريبية، كي يستكملوا إغلاقَ الثغرات المزمنة والحتمية في مذهبٍ تجريبي يريد أن يلغي هيمنة العقل على التجربة وإدارتها وتوجيهها، وكي لا يضطروا من ثمَّ إلى التعامل مع تلك المفردات العقلية بروحٍ غير تجريبية وغير حسية، فينزلقون إلى القبول بمناقشة "موضوعات اللاهوت"، التي اكتفوا بخدعتهم التي لم يقتنع بها غيرهم – لأنها مجرد خدعة – بأن قالوا عنها، أي عن قضايا اللاهوت:
    "قضايا اللاهوت ليست قضايا أصلا لأنها لا تخضع للتجربة، مادامت التجربة هي المصدر المعرفي الأساس والوحيد، ومادامت كل المعارف التي تستحق أن تكون معارف تكشف عن الواقع الموضوعي هي حسِّيَّة بطبيعتها".
    هكذا بكل بساطة، وبجرة قلمٍ منحوها صفةَ الحقيقة – في حين أنها أكبر باطل بُنيَ على أكبر خدعة معرفية – شطبوا "اللاهوت" الذي أرهقهم معرفيا، والذي ما كانوا يريدون مناقشته، لأنهم يعرفون أن مناقشته لا تتم إلا بالعقل القادر وحده على تحريره من فساده. بينما هم لا يريدون مناقشة هذا "اللاهوت" أصلا، بعد أن قرروا ألا يبقوا عليه موضوعها معرفيا قابلا للنقاش من الأساس.
    ولأن هذا النهج مخالف للواقع ولطبيعة المعرفة، ولطبيعة كل من العقل والتجربة، فقد ظهرت محاولاتهم أبعد ما تكون عن الجدية والرزانة المعرفية، وفاشلة "إبستيمولوجيا" وعقيمة "أنطولوجيا".
    إن الوعي الناتج عن العقل وعن مفرداته المعرفية الأولية هو الذي جعل لحواس الإنسان ولما يُلْتَقَطُ عبرها معنىً ودلالة. إنه – أي العقل – أَطَّرَهاَ وأَسَّسَ لها البيئة التي تُنْتِج من خلالها علما ومعرفة وتُكَوِّن حضارة. إن الحواس ليست أكثر من قنوات تمر عبرها الطبيعة إلى أعماق الكائن الحاس. فلو كان هذا الكائن الحاس غير واع "حيوان"، لما وَظَّفَ تلك الطبيعة التي عَبَرَتْ إلى أعماقه، لتكوين معرفة، بينما هي وُظِّفَتْ عندما أصبح الحيوان إنسانا، أي عندما أصبح واعيا ومدركا ومتعقلا للأمور.
    وبالتالي فإن أسبقية العقل وأولويته التي نعنيها، إنما تأتي من هنا وعلى هذا الأساس.
    إن قفزة التطور التي حصلت مُحَوِّلَةً المادة الحية الحاسة، إلى مادة حية حاسة واعية، هي التي تقتضي حتما أسبقية الوعي والإدراك، لا في الواقع الموضوعي ككل، بل في واقع المعرفة الإنسانية الكاشفة عن ذلك الواقع، لأن الواقع الموضوعي المادي بطبيعته واقع موجود قبل وجود الإنسان ووعيه، وما كان تطورُ هذا الواقع باتجاه إنتاج الوعي إلا لإدراك ذاته كما أشار إلى ذلك ماركس بقولته الشهيرة: "المادة أدركت ذاتها في الإنسان".
    وبالتالي فنحن لا نتحدث عن أسبقية الوعي الإنساني على المادة التي يتعلق هذا الوعي بها وبمعرفتها وبالكشف عنها، بل عن أسبقيته على العناصر التجريبية في ذلك الكشف، ضمن معادلة تأخر الوعي ككل أساسا عن وجود المادة ذاتها، مادام هو نتاجا لتطورها أساسا.
    فهذه نقطة مهمة، فلننتبه إليها.
    فنحن نتحدث فقط عن أسبقية العقل بصفته أداة هذا الوعي وهذا الإدراك، على كل ما سواه من مصادر المعرفة وقنواتها الأخرى بصفتها محكومة بقيود العقل المعرفية.
    وعندما نقول ذلك، فهذا لا يعني أننا نقول أن المادة التي أنتجت الوعي الإنساني ليدركَها، من حقها أن تفرضَ عليه كيف يدركُها، مادام هذا الوعي قد انطوى بفعل التطور الذي خضعت له المادة فأنتجته، على قضاياه المعرفية الخاصة التي من بينها تصوره الخاص حول "منشأ المادة" و"مصيرها".. إلخ.
    إن مقولة "أن المادة أنتجت الوعي ليدركَها"، وهي بالمناسبة ليست مقولة ماركس والماديين وحدهم، بل هي مقولة اللاهوتيين أيضا، وإن اختلف هؤلاء عن هؤلاء في معنى ودلالة "ليدركها"، وفي من "أنتج الوعيَ ليُدْرَكَ به".. إن تلك المقولة لا تنطوي "إبستيمولوجيا" ولا "أنطولوجيا"، على ما من شأنه أن يؤكد أن المادة قائمة بذاتها، وأنها غير مسبوقة بحالة وعي من نوع مختلف منحتها القدرة على أن تتطور، لتنتج الوعي ذاته في سياق تطوري يبدأ من نقطة الصفر ويستمر ويتواصل إلى الأبد اللانهائي..
    وبالتالي فإن افتراض التجريبيين أن المادة التي أنتجت الوعي، هي وبمجرد أنها أنتجت هذا الوعي النسبي، لن تكون بحاجة إلى وعي مطلق أسبق منها أنتجها كي تنتج هذا الوعي النسبي، هو "افتراض أسطوري" لا دليل عليه، ولا يقل أسطورية عن دعاوَى اللاهوتيين الممعنة في أسطوريتها.
    فتلك المتلازمة غير صحيحة ولا دليل عليها أصلا..
    وما كان هروب التجريبيين من أسبقية العقل على التجربة إلا لكي لا يضطروا لمناقشة هذه القضية الأنطولوجية الكبرى، التي لو قبلوا بمناقشتها على أساس "إبستيمولوجي" مفاده أن العقل الذي أثارها من حقه أن يفعل ذلك، فسيجدون أنفسهم مدفوعين إلى القبول بنتائج نقاشها العقلية. وهو ما يهدد بنيانهم المعرفي وتفسيرهم للوجود من أساسه.
    إن ما فعله التجريبيون لا يختلف في جوهره عما فعله الوحيويون قبلهم عندما رفضوا العقل لأسباب غير موضوعية. فالوحيويون ظنوا أن العقل هو التجربة التي تتعارض مع بعض معطيات الوحي الراسخة لديهم، لأنه راح يناقشهم في أساطيرهم وخرافاتهم ويردها عليهم، بموجب طبيعته المعرفية. فأصَّلوا لرفضه كي يحموا تلك المعطيات مما ظنوه عقلا. والتجريبيون ظنوا أن العقل هو الوحي الذي يتعارض مع معطيات التجربة لديهم، بكل الحقائق العلمية المبهرة التي راحت تكتشفها، أو هو المبرر الشرعي لهذا الوحي على الأقل، فأصَّلوا لعدم أولويته لحماية نتائج تجاربهم مما ظنوه وحيا أو مبررا للوحي بالشكل الذي لا يريدونه. والعقل من الاثنين بَراَء.
    فلا هو تجربة الوحيويين المبغوضة، ولا هو وحي التجريبيين المكروه.
    إن المعركة الحقيقية إذن هي بين الوحيويين والتجريبيين، أي بين الوحي والتجربة، وما العقل سوى ضحية الاثنين في هذه المعركة.
    ليس أدل على ما نقوله هنا من أن الكثيرين من أنصار الوحي عندما يردون على العقل إنما يردون عليه ويناقشونه فيما يفترض أن تُناقَشَ فيه التجربة لا العقل، وإن يكن على أسسٍ عقلية. كما أن بعض التجريبيين عندما يفعلون ذلك فهم إنما يناقشونه فيما يفترض أن يناقش فيه الوحي لا العقل، وإن يكن أيضا على أسسٍ عقلية.
    ولعله لهذه الأسباب لم تُحسم الخلافات بين الطرفين، لأن الطرفين في الأساس إنما قتلا أو حاولا أن يقتلا صمام الأمان الوحيد الذي كان كفيلا بإطفاء كل الخلافات وحل كل التناقضات وتحويلها إلى رماد.
    إن الإنسان الواعي حتى وهو يعي الأمور في ماضيه ببدائية، إنما كان يعيها بعقله لا بحواسه. فعلى الرغم من أن الإنسان الذي عاش قبل مليون سنة لم يكن يعبر عن قاعدة الخط المستقيم بلغة واضحة ومجردة مفادها "أن الخط المستقيم في واقع هندسي إقليدي هو أقصر بعد بين نقطتين"، لأن مثل هذا التعبير رهن بتطور لغته ومستويات التجريد الذهني لديه، إلا أنه مع ذلك كان يتصرف في حياته على أساس وعيه بها دونما حاجة إلى التعبير المجرد إياه. فهو إن تعرض لخطر يتطلب منه الهروب والفرار نحو كهفه الواقع قبالته على بعد عدة مئات من الأمتار، لم يكن يلجأ إلآَّ إلى الطريق المستقيم الموصل إلى مأواه إذا كان يريد الوصول في أقصى سرعة ممكنة.
    وهو إذا كان وجد قطعة حجر مُسَنَّنَة على شكل سلاح، فإنه يتصرف على الفور كمن يبحث عن إنسان آخر قريب منه قد يشكل خطرا عليه أو على حياته دون أن يُعَبِّر عن ذلك بالعبارة المجردة، "إن لكل حادث سببا"، لأن هذا التعبير يتطلب تطورا في لغته وفي مستويات التجريد الذهني لديه.
    إن افتراض أيِّ علاقة دياليكتيكية بين المعرفة العقلية وبين المعرفة التجريبية لا يمكنه أن يلغي أسبقية المعرفة العقلية على أي معرفة أخرى. إن من يستطيع أن يتصور المعنى الحقيقي للمعرفة العقلية الأولية، والمعنى الحقيقي للمعرفة التجريبية أو الحسية، سيتمكن على الفور من التحرر من عقدة "لا ثابت في العقل قبل أن يثبته الحس"، أو من عقدة "حسيَّة المعارف العقلية". كما أن من يستطيع تصور تلك العلاقة الجدلية بين العقل والتجربة في طريقة الكشف عن الواقع الموضوعي على النحو الذي هو عليه، سيتمكن حتما من التحرر من عقدة "تاريخية المعرفة العقلية" بالشكل الموهوم.
    فالمعارف – كل المعارف – ومن حيث هي معارف فقط، تعكس لنا صورة عن الواقع الموضوعي، يُفْتَرَض أنها مطابقة له كي تكون بمثابة حقائق. والواقع الموضوعي من حيث هو واقع موضوعي، فهو موجود باستقلال تام عن وعينا سواء وعيناه أو لم نعه. فالوجود موجود بكل حقائقه وجزئياته حتى والإنسان غير موجود وكامن في أعماق المادة الحيوانية وقبلها النباتية وقبلهما غير الحاسة وغير الحية.
    وبالتالي فالإنسان بموجب حدود القدرة التي يتيحها له وعيه لا يخترع حقائق بل يكتشفها ويؤلف فيما بينها، للوصول إلى مستويات متقدمة منها أو للاستفادة منها في حياته. والعقل والتجربة هما مجرد أداتين تعملان على كشف هذه الحقائق كلٌّ بطريقتها. وهذه الحقائق ثابتة لا تتغير في الغالب. وهي مبثوثة في كل أرجاء هذا الوجود، بل هي هذا الوجود نفسه ببنيته وحركته وتفاعلاته، وبالتالي فلا يمكن لِلاَّثبات أن يخرج في مدلوله الحقيقي عن إطار التغير في مستويات الوعي لمواكبة الواقع في علاقاته التي تحكمه والتي نكتشفها بالتدريج كلما ارتقينا في مستويات وعينا.
    إن حقيقة أن العالم كان موجودا قبل وعينا به، وأننا في سباحتنا في تاريخه السرمدي إنما نحاول أن نعرف كيف كان قبل أن نوجد، إن حقيقةً كهذه تصفع كل دعاة اللاَّثبات إذا كانوا يعنون به أن العالم ليس فيه ثوابت. إن علم الفلك الذي يتحدث عن حقائق وقوانين وحركات وموجودات بأعمارٍ فلكية، إنما يصرخ في وجوهنا ليقول لنا بملء صوته: أن التغير في الوعي هو تغير في قدراته وبالتالي في حجم محتوياته ليتمكن من أن يكون بِسَعَةِ كم الحقائق المذهلة التي تتدفق إليه كل يوم عاكسةً صورَ هذا العالم ماضيا وحاضرا وربما مستقبلا.
    إن العقل إن صح التعبير، هو الشاشة التي طُبِعَت عليها مجموعة من الحقائق المُنْطَلَق، والتجربة هي القنوات التي تمر عبرها الطبيعة ويمر عبرها الوجود ليصل إلى تلك الشاشة ويلامس تلك الحقائق – المنطلق - المطبوعة عليها لإنتاج معرفة جديدة. وكأننا في النهاية أمام جهاز كمبيوتر خُزِّنَتْ فيه، أي "في ذاكرته"، مجموعة من المعطيات الأولية ليعالج من خلالها كافة المدخلات التي تأتيه من خارجه.
    إن أياًّ من هذه المُدْخَلات لن نستطيع الاستفادة منها أو أن نشكل منها معرفة جديدة تعود علينا بالنفع إلاَّ بعد معالجتها بمخزون الكمبيوتر المخفي في أعماق قرصه الصلب.
    الكمبيوتر بدوره قد يخبرنا أحيانا عبر رسائل وإشارات خاصة يبعث بها، أن هناك مشكلات يعاني منها في معالجته لهذه المدخلات، وذلك إما بالتأكيد على أنها – أي المعالجة – غير مقدور عليها بحكم أنه غير معدٍّ مسبقا للتعامل معها، وإما بالتأكيد على أنها دخلت مُشَوَّهَةً وناقصة يفترض استكمالها حتى تُتاح له فرصة معالجتها المعالجة الفاعلة والمفيدة. الكمبيوتر هو العقل ومخزونه الذي يعالج المدخلات على أساسه هو المعارف العقلية، أما تلك المدخلات فهي صور الواقع الموضوعي التي تلتقطها الحواس "التجربة" وتلقي بها إلى أعماق العقل كي يحولها من صور جامدة إلى حقائق ومعانٍ مفيدة وذات دلالة وَعْيَوِيَّة.
    فالتجربة في نهاية المطاف – أي الحس بمعنى من المعاني – كائن أعجم عقيم الفائدة المعرفية ما لم يحركها ويُفَعِّلها العقل، ليحولَّها بذلك التحريك والتفعيل إلى كائن ولاَّد بالمعارف.
    يكفينا أن نتخيل شخصين أحدهما سليم الحواس لكنه فاقدٌ لمَلَكَةِ الإدراك، والآخر عاقل مالك لتلك الملكة لكنه فاقد لحواسه, إن سلامة أدوات الحس عند الأول لم تساعده على تكوين أي نوع من المعرفة غير الغرائزية أو الحيوانية. كما لم يَحُلْ فقدان الثاني لحواسه كاملة من أن يفكر ويُكَوِّن حصيلة من المعارف وإن تكن محدودة جدا، وهي على وجه التحديد تلك الحصيلة المنطلق الموجودة في الأغوار البعيدة لكل العقلاء سواء كانت واضحة أو غير واضحة.
    إنها ذات الحصيلة التي جعلت هيلين كيلر الصماء العمياء البكماء بالولادة إحدى أكبر شخصيات الأدب في تاريخ الإنسانية. هذه هي إذن طبيعة العلاقة بين التجربة والعقل. إنها علاقة مميزة فريدة وعظيمة جدلية الطابع، احتوائية المضمون، صيِغَتْ على هذا النحو من قِبَلِ خالق العقل والتجربة لتحقيق غاية عظيمة يأبى الإنسان إلاَّ أن يقف بأهوائه ونزواته حجر عثرة في طريقها.

    المقال رقم 2
    الدوائر المعرفية الثلاث، وتحديد آلية انعكاس الواقع الموضوعي في "العقل"، أداة "الإدراك" الأولى، ودائرة "المعرفة" الوسطى..
    إن موضوع المعرفة "الإبستيمولوجيا" اعْتُبِرَ ولا يزال المحور الرئيسي لكل أبحاث الفلسفة والفكر. وهو المحور الذي دارت حوله وما تزال، معظم المناقشات الفلسفية المتعلقة بالعقل، "الروح"، و بالتجربة، "الحس"، وبالوحي، "النبوة"، في علاقاتها بعضها بالبعض الآخر من جهة، وفي دور كل منها في العملية المعرفية من حيث المبدأ، من جهة أخرى.
    ولما كانت مسألة المعرفة مسألة تتسم بشيء من التعقيد، وتتداخل فيها الدلالات الاصطلاحية مع الدلالات المضمونية. والقيام بالذات مع التسلسل، والتصور مع التصديق، والمطلق مع التاريخي، والتجريد مع التجسيد، والعقل مع التجربة، والواقعية مع المثالية.. إلخ، فإن أيَّ حديث فيها يتطلب بادئ ذي بدء تحديد معالمها وأنواعها من أجل تحديد منحى البحث المعرفي اللازم والضروري بالنسبة لنا. كي لا نجد أنفسنا بدل تكثيف الفلسفة لخدمة الفكرة الهدف، وقد ضيعنا هذه الأخيرة في أتون تحويل الدراسة إلى بحث فلسفي أكاديمي بعيد عن الغاية التي نريد.
    وبناء على ذلك فإن معالجة موضوعات مثل، "دوائر المعرفة"، و"مقولة التسلسل"، و"التعددية في مصادر المعرفة"، و"المذهب التجريبي والمذهب العقلي"، تغدو من القضايا الأساسية في موضوع المداخلات التي نحن بصددها.
    إن القالب اللغوي الذي نَنْقُل من خلاله مُفْرَدة معرفية مَّا إلى الجهة الإدراكية ذات العلاقة، هو مجرد تعبير نتفق عليه، عن واقع موضوعي معين، قد ننجح في نقل صورته إلى الجهة المعرفية المُعَيَّنة تلك، كما هي في الواقع – أي كما هي الصورة في الواقع – وقد لا ننجح في ذلك. إن المفردة المعرفية التي ننقلها عبر ذلك القالب اللغوي، تعكس في أذهاننا إذن صورةً لذلك الواقع.
    إن الواقع الموضوعي المُعَبَّر عنه اتفاقا بالقالب اللغوي الناقل للمفردة المعرفية العاكسة لصورته، كائن وموجود خارج حدود الجوهر المُدْرِك أو الذات المُدْرِكَة فينا.
    عندما نقوم بالتعبير عن الواقع الموضوعي من خلال ما نسميه معرفة، فإننا نقوم أولا باحتواء صورة هذا الواقع الموضوعي في إدراكنا، "الذات المُدْرِكَة فينا"، ليقوم هذا الإدراك ثانيا ومن خلال آلية معينة بفهم هذا الواقع كما هو، ثم بلورة هذا الفهم في مفردة معرفية يُعَبِّر عنها القالب اللغوي المُسْتَخْدَم لدينا كوسيلة للتخاطب الاصطلاحي.
    كل ذلك في حالة سلامة أداة الإدراك بطبيعة الحال.
    والسؤال المهم هو..
    أولا.. كيف يتسنى لنا أن نحتوي صورة الواقع الموضوعي في إدراكنا، وأن ندفع بها إلى داخل هذا الإدراك؟
    وثانيا.. كيف يتسنى لهذا الإدراك بعد أن يحتوي صورة الواقع الموضوعي داخل ذاته، أن يفهمها كما هي ليُعَبِّر عنها بمفردة معرفية مُصاغَة في قالب لغوي اصطلاحي؟ وبمعنى آخر، ما هي الآلية التي تتم بواسطتها عملية تَفَحُّص الصورة الواردة، للتعرف على الحقيقة الكامنة فيها؟
    ونوضح هنا للأهمية: أن لفظة الإدراك التي استخدمناها هي اسم فاعل وليست مصدرا، ونعني بها الشيء أو الجهاز أو الأداة أو الذات المُدْرِكَة، وليس العملية التي تمارسها هذه الذات والتي تسمى أيضا إدراكا.
    يثير التساؤل السابق القضايا الهامة التالية..
    - مَاهِيَّةُ الإدراك بالنظر إليه كذات تتولى التعبير عن محتوى صورة الواقع الموضوعي المنقول إلينا، وليس كعملية تمارسها تلك الذات.
    - طبيعةُ التفاعل القائمة بين الإدراك كأداة وكذات، وبين الواقع الموضوعي، كي يتسنى له – أي الإدراك – التقاط جزئياته – أي الواقع الموضوعي – وقذفها إلى داخل ذاته، أي إلى داخل ذات الإدراك مرة أخرى.
    - محتوياتُ هذا الإدراك كأداة وكذات، وكيف تستطيع هذه المحتويات أن تُكَوِّن من الصورة المُلْتَقَطَة من الواقع الموضوعي مفردة معرفية؟
    إذا استطعنا أن نتصور أن العقلَ وعاءٌ افتراضي مركزه الدماغ مثلا، نستطيع القول عندئذ أن تسمية الإدراك – كأداة – بالعقل – كاصطلاح – نتواضع عليه مبدئيا، هو أمر مقبول ومستساغ.
    ولا يهمنا من ماهية الإدراك في هذا المقام سوى التأكيد على أنه الأداء المعرفي والإدراكي المتنامي للجهاز العصبي كلما تكامل بنيويا وبيولوجيا، وهو الجهاز الذي يتولى مهمة التقاط مفردات وجزئيات الواقع الموضوعي بصورة مباشرة عبر الحواس، ليصنع منها "معرفة" بالتعاون مع "العقل" على النحو الذي عرفناه به.
    الدماغ هو مركز الجهاز العصبي. وللدماغ العديد من الوظائف التي لا يهمنا منها في سياق موضوعنا هذا سوى الوظائف المعرفية التي يقوم بها من خلال امتداداته ذات الطبيعة المعرفية – أي ذات الطبيعة المُلْتَقِطَة لصور وهيئات الواقع الموضوعي – ولا تهمنا وظيفته الحركية التي يحافظ بها على الجسم في حالة الحركة بمعناها الواسع، والتي تُعْتَبَر الحياة أعقد نماذجها.
    ومن المفيد أن نوضح هنا أنَّ امتدادات الدماغ ذات الطبيعة المعرفية ليست لها علاقة بالحياة ذاتها كتعبير راقٍ عن الحركة.
    فالحياة تبقى قائمة بهذه الامتدادات وبدونها، وهذا ما يجعلنا نتخذ من الفصل بين الوظيفتين مبدأً يُسَهِّل علينا عملية التركيز على الوظيفة المعرفية للدماغ، المركز الرئيس للجهاز العصبي.
    إن الدماغ يقوم بوظيفته المعرفية الالتقاطية بست طرق هي "البصر والسمع والذوق والشم واللمس والتحسس الغريزي"، ويمكن اختزال هذه الطرق إلى أربع فقط، هي البصر والسمع واللمس والتحسس الغريزي، على اعتبار أن الذوق والشم هي شكل من أشكال الامتداد لحاسة اللمس من وجهة نظر بيولوجية.
    وإن في الدماغ أجزاء خاصة بكل واحدة من الطرق الستة المذكورة، بحيث أن تعطل أيٍّ من تلك الأجزاء يُعَطِّل الطريق المؤدية إليها والمرتبطة بها، والعكس أيضا صحيح، فإن تعطل الطريق المُلْتَقِطَة يُفْقِدُ الجزء الخاص بها في الدماغ أهميته على الصعيد المعرفي الالتقاطي.
    بعد أن تتم عملية الالتقاط هذه عبر أيٍّ من الطرق الست المذكورة، يقوم الدماغ بتجميع الإشارات التي التقطها – أيًّا كانت هذه الإشارات – ليًلْقي بها نحو العقل – ونركز هنا مرة أخرى على مصطلح العقل بالمعنى الذي أشرنا إليه سابقا تحديدا حتى لا يفرض علينا أي تصور له نحن غير مسؤولين عنه – الذي يتولى مهمة الصياغة، أي صياغة الإشارات المُلْتَقَطَة، على شكل مفردات معرفية، مُسْتَخدما في عملية الصياغة هذه مَلَكَة التفكير بكل عناصرها اللازمة، من التخيل والتذكر والربط، إلى التحليل والتركيب والتنبؤ.. إلخ، ومُسْتَخدما أيضا كمادة خام تتم عملية التفكير في ضوئها، محتوياته المعرفية السابقة، والتي سوف تُسْتَخْدم عند كل صياغة جديدة أرضيةً تكوينيةً أساسيةً لهذه الصياغة.
    إن كل حقيقة يضيفها العقل إلى منظومة محتوياته تنتقل بالضرورة إلى مستوى كونها جزءا لا يتجزأ من طائفة محتوياته السابقة باستمرار، لتُسْهِمَ في تكوين الصياغات اللاحقة، وهكذا دواليك.
    وهذا هو البعد الحقيقي لجوهر تنامي الوعي الإنساني، إنه التراكم في كم الحقائق المعروفة، مع ما ينتجه هذا التراكم من أنماط تفاعل معرفية بين المتراكمات.
    بعد أن تتم الصياغة المذكورة، يقوم العقل بإعادة قذف الحقيقة المُصاغَة "المسْتَنْبَطَة"، إلى الدماغ من جديد ليتولى تحويلها من حقيقة مُدْرَكَة إلى حقيقة مُعَبَّرٍ عنها، عبر قوالب التعبير الممكنة، وهي "اللغات بمختلف أنواعها وأشكالها"..
    هناك إذن ثلاثة مستويات لتحويل الواقع الموضوعي الموجود خارج ذاتنا إلى حقيقة مُدْرَكَة، وإلى معرفة يُسْتفاد منها، وهذه المستويات هي:
    - التقاط صورة الواقع الموضوعي عبر قنوات الالتقاط المتاحة.. وهو مستوى حسي صرف.
    - صياغة الصورة وتحويلها إلى مفردة معرفية باستخدام اللغة المشتركة بين كافة أفراد الموجود المفكر الذي هو الإنسان.. وهذا المستوى عقلي صرف.
    - تحويل المفردة المعرفية العقلية المجردة، إلى صورة تخاطبية مطابقة لها اصطلاحا. وهذا المستوى لغوي صرف، وبالتالي فهو حسي عقلي معا، بحكم كون اللغات هي نتاج تركيب بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية.
    إن هذه الدوائر العديدة التي يمر عبرها الواقع الموضوعي ليتحول بعدها إلى مُفْردة معرفية مُعَبَّرٍ عنها بقالب لغوي اصطلاحي، ليست كلها مما يهمنا في الموضوع الذي نحن بصدده.
    إن الدائرة التي تهمنا هي الدائرة الوسطى فقط، أي الفعل العقلي، أو الصياغة العقلية للإشارات الواصلة إلى العقل عبر الحس، والتي سَيُعَبَّر عنها عبر اللغة.
    وهو ما سوف نركز عليه ونعالجه في المقالات الثلاثة المتبقية في هذه المجموعة من المقالات.

    المقال رقم 3
    المعرفة بين مقولتي التسلسل والقيام بالذات..
    إن توضيح ماهية العقل ومن ثم العلاقة المعرفية بينه وبين أدوات المعرفة الأخرى المتاحة، أمر ضروري وملح.
    إننا أمام المعضلة التاريخية المتأصلة في صميم أزمة الفكر الإنساني والمتمثلة في طبيعة العلاقة بين العقل "الروح"، و الوحي "النبوة"، من جهة أولى، وبين التجربة "الحس"، والوحي، من جهة ثانية، وبين العقل والتجربة من جهة ثالثة، لا نملك إلا أن نؤكد على جوهرية وأساسية التحليل المتعلق بتحديد مصادر المعرفة "أدوات المعرفة"، من حيث هي مصادر أولا، ومن حيث الآليات التي تتيحها هذه المصادر للإشعاع بالمعارف الكاشفة عن الواقع الموضوعي والعاكسة له ثانيا.
    إن التعددية في مصادر المعرفة كأدوات وكأوعية من جهة، والعلاقة الفريدة بين هذه المصادر، وهي العلاقة التي ستكشف لنا عن ترتيب مصدري تنازلي يبدأ بالعقل ثم يمر بالتجربة لينتهي أخيرا بالوحي من جهة أخرى، هما مسألتان تتطلبان بادئ ذي بدء القيام بقراءة فاحصة في نقطة انطلاق السلسلة المعرفية التي نتحدث عنها والتي هي العقل.
    إن هذه القراءة هي في حقيقتها دراسة في مقولة التسلسل..
    فما هو التسلسل؟ وما هي الصيغة المعرفية المطروحة للخروج من المأزق الذي يفرضه التسلسل على العلم وعلى المعرفة ككل؟
    إن التسلسل مصطلح يُسْتخدم للدلالة في الموضوع الذي نتحدث عن التسلسل فيه، على الحالة الناجمة عن عدم وجود نقطة بداية قائمة بذاتها، تكون في غير حاجة إلى نقطة سابقة عليها تُكْسِبُها مقومات الوجود والكينونة. وهو – أي التسلسل – حالة ممتنعة عقلا، ولا يمكن تَخَيُّلُها أو تصورها أو الإقرار بموضوعيتها، لما في ذلك من هدم لكل العلوم والمعارف من الأساس.
    فالتسلسل في الاستدلال يعني الاستمرار اللانهائي في إيراد الأدلة المُثْبِتَة لحقائق قائمة، كأن نقول: إن الدليل على القضية (س) هو القضية (ص)، والدليل على القضية (ص) هو القضية (ع)، والدليل على القضية (ع) هو القضية (ل)، هكذا إلى ما لا نهاية، على قاعدة أن كل قضية يُستدل بها على صحة قضية أخرى، هي في حد ذاتها بحاجة إلى قضية تدلل عليها وعلى صحتها، كقضية تصلح للاستدلال على صحة القضايا الأخرى القائمة عليها.
    إن هذا الاستمرار في الاستدلال بشكل لا نهائي يسمى تسلسلاً، وهو الحالة التي نقول بأنها ممتنعة عقلا.
    إذ لا بد من الوقوف عند نقطة بداية في الاستدلال تُسَمى الدليل القائم بالذات والمُسْتغْني عن الأدلة السابقة.
    ومن الأمثلة على التسلسل أيضا، التسلسل في أسباب الحوادث، كأن نقول بأن الحادث (س) سببه الحادث (ص)، وأن الحادث (ص) سببه الحادث (ع)، وأن الحادث (ع) سببه الحادث (ل)، وهكذا إلى ما لا نهاية، وذلك على قاعدة الاستمرار اللانهائي نفسها في المطالبة بالأدلة. فهذا هو التسلسل في مجال الحوادث والأسباب، وهو حالة ممتنعة عقلا أيضا. إذ مما هو واجب وضروري أن تقف سلسلة الأسباب عند سبب قائم بالذات وفي غير حاجة إلى سبب سابق عليه سَبَّبَ حدوثه.
    والأمثلة على التسلسل كثيرة ومتنوعة وكلها امتداد للمعنى الذي أوردناه.
    والسؤال المطروح في قضيتنا هو مدى انطباق التسلسل أو عدمه في المعرفة ومصادرها؟!
    وما هي النتائج التي يمكنها أن تترتب على كون التسلسل ممتنعا فيهما وفي مضامينهما؟!
    منذ البدء يمكننا أن نلاحظ أن المعارف التي يكتسبها الإنسان أو يكتشفها، تنمو وتتكاثر باستمرار، وأن كل معرفة لاحقة تعتمد على معرفة سابقة، وأن كل معرفة سابقة أدت أو سوف تؤدي بالبحث إلى معرفة جديدة مرتبطة بها بشكل من الأشكال.
    إن هذه الملاحظة تولد التساؤل التالي:
    "أليست هناك معرفة أساسية أو مجموعة معارف أساسية، وُجِدًت في إدراك الإنسان "عقله" بصورة من الصور بدون اعتمادها على معارف سابقة، بحيث يمكننا القول عندئذ أنها معارف أولية قائمة بالذات، منها ننطلق لتنمية معارفنا ومضاعفتها ولتطويرها؟ وأنه لولا هذه المجموعة الأولية من المعارف لما تسنى لنا أن نعرف أو أن ندرك شيئا على الإطلاق؟
    إن الكثيرين وعلى رأسهم التجريبيون يجيبون بالنفي، أي بعدم وجود معارف قائمة بالذات. وأن كل المعارف حسية تجريبية. وأن كل ما نتوهم أنه عقلي قائم بذاته، ليس كذلك، بل هو تجريبي حسي ليس إلا. ومن ثم فما لم نعرفه بحواسنا فليس موضوعا معرفيا أصلا!!
    فهل ما يزعمه التجريبيون صحيح؟!
    دعونا نتابع الأمر لنرى..
    إن القول بعدم وجود معارف من القبيل المذكور، يُوَلِّد مشكلة معرفية غاية في الخطورة – لمن يدقق النظر – ستؤدي بالضرورة إلى نسف الهرم المعرفي والعلمي الشامخ الذي تعتز به الإنسانية، وعلى رأس كل ذلك ما كان منه تجريبيا أصلا.
    إن عدم الاعتقاد بوجود معارف أولية وأساسية في غير حاجة إلى إثبات أو إلى معارف سابقة تتولد عنها، يعني إلغاء قانون السَّبَبِيَّة القائم بذاته، والاعتقاد من ثم بأن هناك مجموعة من الأحداث في هذا الكون ليست ناتجة عن أسباب، نظراً لعدم وجود أي طريقة من أي نوع لإثبات صحة هذا القانون.
    ويعني أيضا سقوط مبدأ الاستحالة القائم بذاته، والاعتقاد بالتالي بأن النفي والإثبات المتوحدين في ظروفهما يمكن تواجدهما، بسبب انتفاء أيِ وسيلةِ استدلالٍ على صحة مبدأ الاستحالة هذا.
    ويعني أيضا الاعتقاد بأن الكل قد يكون أصغر من الجزء الذي أُخِذَ واقتُطِعَ منه، مادامت القاعدة المعاكسة غير قائمة بذاتها في الوقت الذي يستحيل إثباتها بدليل من أي نوع.
    كما أنه يعني الاعتقاد بأنه في واقع هندسي إقليدي لا يمثل الخط المستقيم أقصر بعد بين نقطتين، نظرا لعدم وجود معلومات قائمة بالذات كهذه القاعدة التي يستحيل إثباتها بدليل، وقد يغدو الخط المنحني من ثم أقصر من الخط المستقيم.
    وهو ما يؤدي إلى سقوط "الرياضيات" برمتها – والتي هي الإطار الهندسي والقالب التجريدي للوجود المادي والفلسفة العقلية التي تقوم عليها كل العلوم التجريبية – بعد أن تغدو بهذه الهرطقة المعرفية محل شك وأبعد ما تكون عن اليقين اللاتجريبي الذي لا يختلف اثنان في العالم على أنه السمة التي تميزها عن كل العلوم التجريبية الأخرى.
    إلى آخر ما هنالك من معارف نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتقاد بصحتها بدون ما حاجة إلى معارف سابقة تثبتها أو تُدَلِّل عليها ولا حتى التجارب ذاتها.
    ومع ذلك فإن مقولة التجريبيين السابقة مقولة خاطئة لا يمكنها أن تصمد بأيِّ حال أمام المعالجة الموضوعية، نظراً للأسباب التالية..
    أولا.. إن مقولة "لا يوجد حد أدنى من المعارف القائمة بالذات، وأن كل المعارف مهما كان شكلها لا تثبت إلاَّ عبر الإتيان بالدليل السابق في وجوده عليها"، هل هي مقولة قائمة بالذات أم أنها مقولة تحتاج إلى برهان؟ فإذا كانت قائمة بالذات فقد ثبت لدينا إذن وجود المعارف القائمة بالذات والمستغنية عن الدليل من حيث المبدأ، بصرف النظر ولو مؤقتا عن ماهيتها وجوهرها وكميتها، فنحن نناقش مبدأ وجود مثل هذه المعارف، ولسنا بصدد معالجة إن كانت مفردة معرفية معينة قائمة بذاتها أم لا، فمثل هذه المعالجة تأتي لاحقة للمعالجة الأولى، فإن ثبت وجود المعارف القائمة بالذات، فإن المعالجة الثانية تغدو معقولة ومفهومة، وإن لم يثبت ذلك فلا يغدو لطرحها أي معنى..
    هذا بالإضافة إلى أن في القول بقيامها بالذات ليس فقط ما يثبت مبدأ القيام بالذات كمبدأ معرفي أصيل، بل ما يُسْقِطها وينفي صحتها من حيث المبدأ، لأن مضمونها يتناقض على الفور مع القول بقيامها بالذات، مادامت هي تتضمن النص على عدم وجود معرفة قائمة بالذات.
    أما إذا لم تكن المقولة إياها قائمة بالذات – وهذا هو الصحيح – فما هو الدليل على صحتها؟ إذ أنها في مثل هذه الحالة ستفتقر إلى الدليل..
    ومع أنه من غير الممكن لأيٍّ كان أن يسوق دليلا يثبت به صحة تلك المقولة، ومن أي نوع كان هذا الدليل، فإنه حتى مع افتراض وجود دليل فإنه بدوره سيخضع للتساؤل نفسه مادام هو نفسه غير قائم بالذات وفق منطوق المقولة نفسها، لنحصل من ثم على الإجابات الممكنة نفسها، لنعود بالتالي إلى الحلقة المفرغة نفسها..
    وهكذا يتبين لنا أنه من غير الممكن الانطلاق لإثبات صحة هذه المقولة، على فرض إمكانية إثبات هذه الصحة، إلاَّ بالإقرار بقيامها بالذات، مع أن هذا الإقرار يتعارض مع مضمونها ذاته، لأن فيه إقراراً مبدئيا بوجود الحقائق القائمة في العقل بالذات والمستغنية عن البرهان.
    إن هناك إذن تناقضا ذاتيا طبيعيا تحويه تلك المقولة، بحيث لا يمكنها أن تحقق لنفسها الانسجام والتماسك. فإنها إذا صحت فيجب أن تتحقق في صورتها الأولى عبر محتواها ذاته. فمقولة الافتقار الدائم إلى دليل إذا كانت صحيحة، فمن باب أولى أن تكون أولى الحقائق المحتاجة إلى دليل هي هذه المقولة ذاتها. وهكذا تبطل إمكانية قيامها بالذات.
    بينما المقولة النقيضة لها متماسكة ومنسجمة لأنها أولى القضايا المعرفية القائمة بذاتها.
    ثانيا.. إن الإصرار على أن كل معرفة أياًّ كانت لا تثبت إلاَّ بالدليل عليها والسابق في وجوده على وجودها، وعلى أنه لا توجد معارف خارج نطاق هذه الدائرة الاستدلالية، يعني بصورة قطعية عدم وجود حقيقة ثابتة، لأن كل حقيقة ستفتقر إلى حقيقة أسبق منها تكون مبررا لوجودها ولأحقِّيَّتها. وبما أن إمكانية الاستمرار في التساؤل هي إمكانية لا نهائية نظريا، فإن كل معارفنا التي نتشدق بها نحن معشر البشر هي عبارة عن أوهام لا أساس لها من الصحة.
    ولتوضيح ذلك نقول..
    إذا كانت لدينا الفكرة (أ) وكان الدليل على صحتها هو الفكرة (ب)، فإننا هنا أمام حالتين ممكنتين، فإما أن يكون الدليل (ب) قائما بالذات، وإما أن يكون مفتقرا إلى دليل يثبت صحته. فإذا كان قائما بذاته فدلالته على صحة الفكرة (أ) تعطي هذه الفكرة وجودها الموضوعي. أما إذا لم يكن قائما بذاته فهذا يعني أن الفكرة (أ) ذاتها والقائمة على الفكرة (ب) تغدو قائمة أيضا على الفكرة (ج) التي هي الدليل على صحة (ب) مثلاً، وبدون ذلك لا تكون لـ (أ) أيُّ قيمة.
    الشيء نفسه يتكرر بالنسبة للدليل (ج)، فإذا كان قائما بذاته فإن ما بعده موجود موضوعيا، وإذا لم يكن، فإن ما بعده، أي (أ) و(ب) لا يقومان بدون (د) الذي لا يقوم (ج) بدونه ابتداءً، وهكذا دواليك..
    والخلاصة أن الاستمرار في الاستدلال إذا كان مفروضا علينا بصورة لا نهائية على قاعدة ألاَّ دليل قائم بالذات، فهذا يعني ألاَّ فكرة ولا حقيقة موجودة موضوعيا، لأن الدليل اللانهائي غير موجود أبدا لاستحالة الوصول إليه، في الوقت الذي يُعْتَبر كل شيء قائما عليه. ومن الواضح أن هذا يؤدي إلى نسف كل العلوم والمعارف واعتبارها مجرد أوهام وأكاذيب، لأن قيام هذه العلوم والمعارف راجع ابتداءً إلى وجود حقائق قائمة بذاتها تُكْسِبُ ما يليها مبرر وجوده وموضوعيته.
    ثالثا.. لا يمكن أن يتخلص من إلزامية الإيمان والاعتقاد بوجود حد أدنى من المعارف القائمة بالذات أحدٌ أياًّ كان، في أسلوب معالجته للمسائل المعرفية وإن حاول، وقصارى ما يمكن أن يفعله إنسان معين هو أن يختلف مع إنسان آخر في ذات المعارف التي ليست في حاجة إلى برهان ودليل، وليس في وجود معارف من هذا القبيل أو في عدم وجودها من حيث المبدأ.
    فكل من يحاول أن يُكَرِّس مفردة معرفية أساسية، إنما يعبر بذلك عن وجود معارف ليست في حاجة إلى برهان انطلق منها لتكريس مفردته تلك وإلا لما استطاع ذلك.
    لا بل إن سَوْقَ شخصٍ ماَّ – أياًّ كان هذا الشخص – لدليل ماَّ – أياًّ كان هذا الدليل – في سياق إثبات قضية ماَّ – أياًّ كانت هذه القضية – ما كان ليتم أو ليكون له معنى أصلا، لو لم تكن واضحةً في ذهن ذلك الشخص وفي ذهن من يستمع إليه، حقيقةٌ مفادُها أن "سَوْقَ الدليل سببٌ ضروري وكافٍ في الوقت ذاته لثبوت صحة المسْتَدَلِّ عليه". وهذه الحقيقة التي هي بمعنىً آخر.. "لابد لكل مُفْرَدةٍ معرفية من دليل على صحتها"، عبارة عن حقيقة بدهية قائمة بذاتها، لا يقوم عليها دليل من أيِّ نوع، ولا ينفك عن الحاجة إليها رغماً عنه، أي مُسْتَدِلٍّ على شيء في هذا العالم.
    إن هنالك إذن مجموعة من المعارف الأساسية لدى الإنسان، وهي في عقله كما تم الاصطلاح على ذلك، ليست في حاجة إلى برهان ولا إلى أيِّ مفردة معرفية سابقة عليها تستمد منها وجودَها ومبررات كينونتها المعرفية، بل هي أساس كل المعارف، والدليل على كل الحقائق الفوقية، ويجب أن ننطلق منها عندما نريد الكشف عن أيِّ معرفة مهما كانت، ولا يسبقها في المعارف شيء. الأمر الذي يجعل الوعاء الذي يحتويها وهو العقل، المصدر الأساسي لكل المعارف، ولابد من أن يتحاكم إليه كل من يَدَّعِي معرفة معينة على ضوء تلك المعارف الأساسية المشار اليها، بحيث إذا تعارضت المعرفة المُدَّعاة أو لم تنسجم معه ومع محتوياته الأولية بشكلٍ من أشكال الانسجام التي يقبلها هو ذاته، فليست جديرة بأن تكون معرفة، ولا تتجاوز كونها سفسطة عقيمة أو خرافة متمكنة من عقولٍ تصر على التعامل مع المعرفة ببدائية مغرضة.
    إن العقل ليس أكثر من وعاء افتراضي، يتضمن في داخله فكرة واضحة أو صورة مطابقة – في السياق التجريدي – لتلك المعارف التي نتحدث عنها. فنحن عندما نصف العقل بالمصدرية العليا للمعرفة، فإننا إنما نصف تلك المعارف المحتواة فيه أو التي فيه صورة مطابقة لها، بتلك المصدرية. وعندما نعتبره مرجعا، فنحن إنما نعتبر أن تلك المعارف هي المرجع. ولا نعني بمصطلح العقل ولا بمصطلح مصدريته العليا للمعرفة أكثر من هذا المعنى.
    كما أننا عندما نؤكد على أن تلك المعارف هي في غير حاجة إلى برهان أو دليل، فهذا يعني أنها تثبت لدى الإنسان بدون اللجوء إلى مصدر معرفي آخر من المصادر التي تقوم بتزويدنا إلى جانب العقل بالمعرفة. لأنها إذا كانت قائمة بالذات فهذا يعني أنها لا تحتاج إلى معارف أخرى تثبت صحتها، وإذا كانت هذه المعارف الأخرى لا يمكننا الحصول عليها إلا بطريقة أخرى غير القيام بالذات وعبر وعاء آخر غير العقل، فإن النتيجة الضرورية من ذلك، استغناؤها – أي المعارف القائمة بالذات – عن أي مصدر آخر أو وسيلة أخرى غير قيامها هي بالذات.
    ونؤكد هنا للأهمية، على أننا نقصد بالمصدر، الوسيلةَ التي نُدْرِك بها الواقعَ الموضوعي كما هو وحيث هو، وليس هو أو مكانَ وجوده. إذ من حيث هو أو مكانُ وجودِه، فهو ذاته هذا الكون وهذه الطبيعة. إنه الوجود ذاته بكل مستوياته. ولكننا ندركه بوسيلة إدراكٍ هي العقلُ أو غيرُه. أي إما بفرضه نفسه علينا مباشرة وبدون برهان، وإما بفرضه نفسه علينا عبر سلسلة من البراهين والأدلة وطرق الإثبات.
    فعندما يفرض هذا الواقع الموضوعي نفسه علينا مباشرة ونقبله من ثم بدون حاجة إلى دليل، أو عندما لا يمكن إيراد دليل على صحة الصورة التي فرض بها نفسه علينا، أو عندما يكون الدليل المطلوب لإثبات صحة هذه الصورة هو من النوع التركيبي للمفردات المباشرة المُعَبِّرَة عنه نفسِها بعضِها إلى البعض الآخر، وبدون إدخالِ عنصرٍ معرفي من نوع آخر في الموضوع..
    نقول.. عندما تكون الصورة المعرفية التي يفرض الواقع الموضوعي نفسه علينا من خلالها هي واحدة من هذه الأنواع، فنحن في واقع الأمر بصدد معرفة عقلية، بسيطة كانت أو مركبة.
    أما إذا كانت تلك الصورة من نوع آخر لا نستطيع البت فيه مباشرة بالأوَّلِّياِّت المعرفية العقلية ولا بتركيبها إلى بعضها البعض، فنحن بصدد معرفة غير عقلية، الأمر الذي يقتضي منا القيام بطَرْقِ الموضوع بدقة، لاستجلاء حيثياته عبر فكرة التعددية في مصادر المعرفة.

    المقال رقم 4
    العقل، التجربة ثم الوحي، هي مصادر المعرفة..
    إن العقل هو المصطلح الذي نطلقه على آلية الإدراك الأولى والأساس في الإنسان، والتي يجسِّدها الجهاز العصبي عبر مركزه الذي هو "الدماغ" عند اكتمال بنيته المادية البيولوجية بالشكل القادر على تجسيدها. وهو – أي العقل – كي يمارس مهمتَه الإدراكية بالصورة المنوطة به، قد تجسَّدَ في طائفة من المعارف تعكس جانبا من الواقع الموضوعي ذي مواصفات خاصة وتُعَبِّر عنه وتُصَوِرُه. وإن هذه الطائفة من المعارف عندما تجسَّدت في العقل، فقد تجسَّدت على نحوٍ يتم معه الوعي بها بصورة مباشرة بدون حاجة إلى أيِّ حسٍّ أو تجريب، فكانت بذلك معارف قائمة بالذات.
    إن تجسيد العقل لهذه الطائفة الخاصة والمميزة من المعارف، يعني أن الإنسان مُبَرْمج من حيث بنيته البيولوجية بصورة مُسْبَقة تخوِّله أن يعرف الوجود من خلالها. وهذا بدوره يقودنا إلى توضيح أن كافة المعارف الأخرى – غير القائمة بالذات – يُفْتَرَض حتما أن تَنْتُج عبر تركيب الأسس المعرفية العقلية المذكورة وتآلفها بشكل أو بآخر.
    إن القيام بالذات هو الاستغناء عن سابق لاكتساب مبرر الوجود. وبناءً عليه فالقائم بالذات هو ما لا يسبقه في القيام شيء، وهو أصل لواحقه. وإن ما قام في العقل بالذات من معارف يقودنا بالضرورة وبحسب ما تقتضيه طبائع الأمور إلى تحديد مصادر المعرفة التي تجيء لاحقة للعقل، وهي التجربة بالدرجة الأولى، ثم الوحي بعد ذلك في سياقٍ خاصٍ سيتضح في حينه.
    إن قولَنا بأن العقل بمعارفه الأولية البسيطة هو المصدر المعرفي الأول، لا يعني عدم وجود معارف غير أولية يعجز هذا العقل عن إدراكها أو عن الكشف عنها بصورة مباشرة وبدون ممارسة نوع من الرياضة المعرفية الضرورية بحكم بُنْيَتِه وتركيبته. كما أنه لا يعني – وهذا أمر مهم جدا – أن العقل يستطيع أن يحكم على كل شيء في هذا الوجود بالصحة أو بالخطأ، بالوجود أو باللاَّوجود، وبصورة مباشرة أيضا، وذلك عبر احتوائه على هذا الحكم المباشر على كافة جزئيات الواقع الموضوعي.
    إن ما يجب أن ننتبه إليه في هذا الصدد، هو أن هناك في الواقع مصادرَ معرفةٍ أخرى غير العقل، وذلك بمعنى الأدوات الدَّالة والمُرْشِدَة، أو الأوعية المتضمنة لطرقها الخاصة في تصوير الواقع الموضوعي وفي التعبير عنه، يعجز العقل عن الكشف عن مفردات الواقع التي لا تعجز هي عن الكشف عنها بموجب طبيعتها في الكشف.
    أي أن هناك بالتالي مجموعة من جزئيات الواقع الموضوعي ومفرداته التي ليس من صلاحيات العقل ولا من اختصاصه ولا مما يندرج ضمن قدراته أن يعطي عليها حُكْمَه، بسببِ افتقاره إلى مُقومات الحكم عليها، وهو الافتقار الناجم ابتداءً عن اختلافها في طبيعتها التكوينية عمَّا رُكِّب العقل وعما فُطِر على القدرة على كشفه والحكم عليه بالصحة أو بالخطأ، وبالوجود أو اللاَّوجود. وهذا ما سيتضح لنا في سياق التحليل التالي..
    من حيث المبدأ، فإن كل الوجود تثبت معرفته ويثبت اكتشافه بالعقل وحده، وذلك من حيث ضرورة الانطلاق منه – أي من العقل – للتعرف عليه كما هو – أي على الوجود – ولا طريق غيره إليه. وإن كل من يحاول أن يسلك طريقا غير العقل – أي مبتدئا بغير العقل– إلى معرفة الوجود، فإنه يعجز عن ذلك. وإنه عندما يعرف الوجود في جانب منه متوهما أنه لم يرتكز في ذلك إلى العقل مُنْطَلَقاً، فهو جاهل بكل تأكيد بآليات المعرفة التي يستند إليها والتي هُيِّئَ له أنها بعيدة عن أيادي العقل.
    وإنه لتحديد المدلول الحقيقي لما نقوله يجدر بنا أن ننتبه إلى ما يلي..
    إن العقل يمتلك إزاء كافة ظواهر هذا الوجود وجزئياَّته ومفرداته التي تصادفه واقعاً ومشاهدةً وإحساساً، أو تَخَيُّلاً وافتراضاً، وأياًّ كانت طبيعتها، أحكاما ثلاثة فقط. فهو إما أن يحكم عليها بأنها "أكيدة وواجبة"، وإما أن يحكم عليها بأنها "مستحيلة وممتنعة"، وإما أن يحكم عليها بأنها "جائزة وممكنة". ولا يوجد في العقل أيُّ حكمٍ آخر بخصوص تلك الظواهر. ومن الواضح أن الحكمين الأوَّلَيْن، وهما الوجوب والاستحالة يندرجان تحت عنوان "الضرورة" في المصطلح الفلسفي، الأمر الذي يغدو معه واضحا أن العقل يمتلك في المحصلة حكمين فقط إزاء مفردات الوجود هما: "الضرورة" و"الإمكان".
    فأما الظواهر التي يحكم عليها العقل بالضرورة، فهي كل الظواهر التي ينفرد وحده بصلاحية واختصاص الحكم عليها دون غيره، بتاًّ وقطعاً، ليغدو هو دون غيره من مصادر المعرفة المُخَوًّل بمعرفتها والكشف عنها. كما أن هذه المجموعة من الظواهر المعروفة حالتها وهيأتها عقلاً لا يجوز أن تصلنا عنها وبخصوصها فكرة من مصدر معرفي آخر وتكون مغايرةً وغيرَ مطابقةٍ لفكرة العقل عنها، وإلاَّ حُكِمَ على هذه الفكرة بالبطلان والخطأ واللاَّوجود. فإذا كانت الحقيقة هي الفكرة المطابقة للواقع الموضوعي، فلا يمكنها أن تكون حقيقةً فكرتُنا غير العقلية عن واقع موضوعي فكرتنا العقلية عنه بخلافها.
    أما الواقع الموضوعي الذي ليست لدى العقل فكرة باتَّة وقاطعة عنه، أي الواقع الذي تتساوى لدى العقل بخصوصه كل الأفكار الممكنة، فهو واقع موضوعي يقع العلم به وبحالته وبما هو عليه، خارج دائرة اختصاصات العقل. الأمر الذي لم يستطع معه تكوين فكرة باتَّة عنه وعن حالته تلك، واكتفى بالإمكان فقط، وذلك لتساوي كافة أوجه البَتِّ والقطع المتصورة، دون رجحان كفة على أخرى أو وجه على وجه آخر.
    ولكننا نتساءل مرة أخرى، عن الدلالة الحقيقية لمعنى أن يحكم العقل على واقع موضوعي معين بالضرورة وعلى آخر بالإمكان؟
    عندما نقول أن العقل يحكم على حالةِ وهيئةِ الواقع الموضوعي، فنحن لا نختلق فكرة ولا ندَّعي ما لا وجود له، بل إننا لا نفعل شيئا أكثر من نقل صورة الواقع كما هي. فمن الناحية النظرية لا يوجد سؤال في الوجود، والسؤال هو بالضرورة الصيغة التي تُطْرَح من خلالها آلية التعرف على الواقع الموضوعي مدار البحث، إلاَّ ويجيب عليه العقل، لأنه موجه في الأساس إلى العقل، وليس إلى أي وجود آخر. فنحن لا نتوجه بأسئلتنا إلى المُعِداَّت العجماء في المختبرات، ولا إلى حواسِّنا. وإذن فمادام كل سؤالٍ يُوَجَّهُ في الأساس إلى العقل، فالإجابة عليه هي قطعا لدى العقل. ولا يمكن لعاقل أن يُنْكَر هذه المسألة البدهية.
    إن الإجابات الممكنة على سؤال "هل"، هي "نعم" أو "لا" أو "لا أعرف".
    كما أن الإجابات الممكنة على الأسئلة "متى" و"أين" و"كيف" و"لماذا"، هي إما إعطاء الفكرة المطابقة للواقع الموضوعي، وإما الاعتذار بقول "لا أعرف".
    فعندما نوجه سؤالاً إلى العقل محوره "هل"، وتكون إجابة العقل عليه هي "نعم" أو "لا"، أو عندما نوجه إليه سؤالاً يتمحور حول "الأين" أو "المتى" أو "الكيف" أو "اللماذا"، وتكون إجابته بإعطائنا فكرة واضحة ويقينية عن الواقع الموضوعي محل التساؤل، فالعقل إنما يجيبنا بالقطع والبت، أي بالضرورة فيما هو حتما ضمن دائرة اختصاصاته المعرفية. وبالتالي فنحن في غنىً تام عن اللجوء إلى أدوات وكواشف أخرى للمعرفة، للبحث عن إجابات على أسئلتنا. لأن الهدف من وراء طرح السؤال – أي سؤال – إذا كان هو معرفة حالة الواقع الموضوعي كما هي، فمعرفتنا بهذه الحالة عقلاً تُغْنينا قطعا عن البحث خارجه لمحاولة معرفتها.
    أما إذا أجاب العقل على سؤال محوره "هل"، بـ"لا أعرف"، أو على سؤال يتمحور حول "الأين" أو "المتى" أو "الكيف" أو "اللماذا" بـ"لا أعرف" أيضاً، فهذا يعني أن البَتَّ والقطع العقليين غير مُتاحين، وأن كل الأفكار بخصوص الواقع الموضوعي محل التساؤل مُمكنةٌ في العقل ومتساوية في مدى هذه الإمكانية.
    وبما أن التساؤل قائم والإجابة مطلوبة بالضرورة، فلا شك إذن في ضرورة وجود أداةٍ معرفيةٍ أخرى تتصف بما يُخَوِّلها تحقيق هذا البت المعرفي الذي عجز عنه العقل.
    إن عدم وجود سؤال لا جواب عليه من حيث المبدأ، يقتضي مُجيبا. فإذا لم يكن المجيب هو العقل فهو قطعا غيره. وبالتالي فإذا لم يكن المصدر المعرفي الكاشف عن المعرفة هو العقل، فهو لا شك مصدر آخر غير العقل.
    وإذن فوجود مصادر معرفية أخرى – أو على الأقل مصدر معرفي آخر – غير العقل، هي مسألة ضرورية يقتضيها منطق الأمور، أي يقتضيها العقل ذاته، مادام العقل سيقف عاجزا عن البَتِّ في الكثير من جزئيات الوجود وتفاصيل الواقع الموضوعي، وعاجزا بالتالي عن الإجابة على الكثير من الأسئلة المتعلقة بهذا الوجود وبذلك الواقع.
    إن عجز العقل عن الإجابة مع ضرورة وجود إجابة، يستلزم وجود مصدرٍ آخر يستطيع الإجابة، وما علينا من ثم إلاَّ محاولة التعرف على هذا المصدر الذي سيُعْتَبَر عندئذ رديفا للعقل في استكمال الدائرة المعرفية التي لا يصح أن تبقى مُعَلَّقَة بوجود أسئلة مُفْتَقِرة إلى البت في أمرها بتًّا حاسما بأحد وجهي البت الممكنين.
    دعونا الآن نخوض معا تجربة عملية نختبر من خلالها هذا العقل لنكتشف ما لديه وما يفتقر إليه، لنتعرف على معالم وجهتنا المعرفية غير العقلية "أي التي تتيحها مصادر أخرى غير العقل"..
    وفي هذا الصدد سنقوم بتوجيه مجموعة من الأسئلة إلى العقل تنطبق عليها احتمالات الإجابات الممكنة تَصَوُّرِياًّ لنرى النتيجة..
    1 - أين يوجد العقل المطلق؟.. الجواب العقلي: لا يُسْأَل عنه أين هو، لأنه هو المكان المطلق (قادرين على إثباتها عقلا، وهو سؤال متولد بعد إثبات وجود المطلق ذاته)..
    2 - متى كان العقل المطلق؟.. الجواب العقلي: لا يُسْأَل عنه متى كان، لأنه هو الزمان المطلق (قادرين على إثباتها عقلا، وهو سؤال متولد بعد إثبات وجود المطلق ذاته)..
    3 – هل المادة أزلية أم حادثة؟.. الجواب العقلي، هي أزلية مصدرا وحادثة شكلا نتجت عن تكثيف المطلق ذاته المطلقة في لحظة زمكانية (قادرين على إثباتها عقلا بمناقشة طبيعة المادة وفكرة الجزء الذي لا يتجزأ)..
    4 - لماذا تتحرك المادة ولا تبقى ساكنة؟.. الجواب العقلي: لأن العقل المطلق أودع فيها قابلية الحركة عندما أحدثها من ذاته بالتكثيف..
    5 - هل العدل حسن؟.. الجواب العقلي: نعم..
    6 - هل يحدث في الواقع حادث من غير سبب؟.. الجواب العقلي: لا..
    7 - هل أن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين في واقع هندسي إقليدي؟.. الجواب العقلي: نعم..
    8 - هل هناك حياة أخرى قادمة بعد الموت؟.. الجواب العقلي: نعم (قادرين على إثبات هذا عقلا)..
    9 - هل يجب في حق المطلق أن يبعث أنبياء؟.. الجواب العقلي: نعم (قادرين على إثبات هذا عقلا)..
    10 - هل عقوبة الإعدام تتفق مع معايير العدل المذهبي؟.. الجواب العقلي: لا (قادرين على إثبات هذا عقلا)..
    11 - هل أن تكامل (1) على (س) = لوغاريتم (س)؟.. الجواب العقلي: نعم (قادرين على إثبات هذا رياضبا أي عقلا)..
    نرجو من القارئ ألاَّ يندهش من بعض الإجابات التي لن نثبتها الآن وفي هذا المقام، فهي قابلة للإثبات في مواقع أخرى، إذ باستثناء إجابات الأسئلة (6) و(7) و (11)، فإنه يحق للقارئ أن يبحث عن إجابات مُثْبَتَة لا مُدَّعاة.. ولنعد الآن إلى موضوعنا..
    من الواضح أن للعقل إجابات قاطعة على الأحد عشر سؤالاً التي طرحناها عليه، فهو إما أنه أجاب بـ"نعم" أو بـ"لا"، عندما كان محور السؤال هو "هل". أو أنه أعطى أفكارا مطابقة للواقع الموضوعي عن ذلك الواقع، عندما تمحورت الأسئلة حول المكان والزمان والعِلَّة والمادة. وبالتالي فالقضايا المطروحة في أسئلتنا السابقة هي قضايا تُعْرَف بالعقل ولا نحتاج في معرفتها لغيره مادام قد قطع وبتَّ. ومن هنا فلا دور لأي حس أو تجربة في التعرف على تلك الجوانب من الواقع الموضوعي المتجسِّد خارج وعينا "ذاتنا".
    ولكن يجدر بنا في هذا المقام أن نُنَبِّه إلى نقطة هامة. فالأسئلة من (4) إلى (7)، هي أسئلة لا نَحتاج في الإجابة عليها إلى أي نوع من أنواع الاستدلال والبرهان. فهي – أي إجاباتها – قائمة بالذات في العقل. وبكلمة أخرى فإنها حقائق عقلية بسيطة "بديهية"، لا تمكن تجزئتها إلى قضايا أبسط تتكون منها. بينما الأسئلة المتبقية غير واضحة في العقل وضوح تلك الأسئلة الأربعة. فمع أنها عقلية وتثير قضايا إجاباتها عقلية صرف، فإنها – أي تلك الإجابات – في حاجة إلى استدلال وبرهان عقليين. فهي إذن معارف عقلية مركبة وليست واضحة في العقل وضوحا مباشرا. هذا على وجه التحديد هو ما قصدنا التنويه إليه هنا، وهو أن الحقائق المُثْبَتَة عقلاً على نوعين، بسيط لا يتجزأ و مركب يتجزأ إلى بسيط.
    فلنوجه إلى العقل الآن المجموعة التالية من الأسئلة..
    1 – أين تقع مجرة درب التبانة؟.. الجواب العقلي: لا أعرف..
    2 – متى انقرضت حيوانات الديناصور؟.. الجواب العقلي: لا أعرف..
    3 – كيف تُكَوِّن الشمس طاقتها؟.. الجواب العقلي: لا أعرف..
    4 – لماذا تسقط الأجسام نحو الأسفل فوق سطح الأرض؟.. الجواب العقلي: لا أعرف..
    5 – هل يجب الامتناع لسبب ماَّ عن أكل لحم الخنزير؟.. الجواب العقلي: لا أعرف..
    6 – هل أن الأرض كروية؟.. الجواب العقلي: لا أعرف..
    7 – هل توجد كائنات غير مرئية لنا حاليا؟.. الجواب العقلي: لا أعرف..
    من الواضح أن العقل في هذه الأسئلة السبعة اعتذر اعتذارا معرفيا لَبِقاًّ عندما اعترف بعجزه عن الإلمام بأي فكرة عن أي واقع موضوعي كان محلَّ أيٍّ منها – أي محل تلك الأسئلة – وهو بالتالي يعطينا الضوء الأخضر لنبحث عن إجابات عليها في مكان آخر مخَوَّل بإعطاء مثل تلك الإجابات.
    إن ملاحظة سريعة نلقيها على طبيعة الواقع الموضوعي الذي يمتلك العقل القدرة على معرفته وتكوين فكرة واضحة وقطعية عنه، تطلعنا على أنه الواقع الذي لا يمكن إخضاعه للحواس بالمعنى الواسع للحواس وهو المعنى الذي يكافئ التجربة. بل إننا نجد أن التجربة ذاتها تستعين بأفكارنا العقلية عن ذلك الواقع أثناء ممارستها لدورها في الكشف عن المعرفة القادرة هي على كشفها. فقضية أن لكل حادث سببا، أو أن التناقض بمفهوم معين مستحيل، أو قضايا الرياضيات البسيطة والمركبة، أو معرفة الله ذاتا وصفة وفعلا مع ما يقتضيه كل ذلك، وغيرها من القضايا الشبيهة ليست قضايا يمكن إخضاعها للتجربة "الحواس"، فهي ثابتة بذاتها في العقل فقط.
    أما الواقع الموضوعي الذي عجز العقل عن معرفته أو تكوين فكرة واضحة وقاطعة عنه، مُدْخِلاً إياه في دوائر مُمْكِنَاِته، فهو الواقع الذي يمكننا إخضاعه للتجربة "الحواس" إخضاعا تاما. فالعقل لا يملك بخصوص كروية الأرض عندما يُطْرح عليه السؤال بشأنها سوى القول بأنها ممكنة. كما أنه لا يملك بخصوص وجود أو عدم وجود النُّوَى في كريات الدم الحمراء لدى الإنسان سوى القول بأن الأمرين ممكنان وجائزان. أما الذي يَبُتُّ فيُكَوِّن الفكرة المطابقة للواقع، فإنما هو التجربة والتجربة وحدها.
    وتندرج تحت هذا العنوان كافة قضايا الطبيعة وتفاصيل الوجود التي يمكن للإنسان أن يسيطر عليها ويعرفها من ثم بوسائله المخبرية التجريبية بالمعنى الواسع لهذه الكلمة.
    وهكذا يتضح لنا أن كلا من العقل والتجربة قد غطّيَا كافة حقول المعرفة، وبالتالي فكل واقع موضوعي لم تتم معرفته بالعقل فإن معرفته تتم بالتجربة.. هل يعني هذا أنه لم يبق هناك متسع لغيرهما؟
    في واقع الأمر نعم، ليس الإنسان في حاجة من حيث المبدأ إلى غير العقل والتجربة نظرا لقدرتهما بحكم طبائع الأمور على تغطية كامل الوجود معرفيا. إن انتفاء هذه الحاجة واضح في ضوء الدور المعرفي الذي يلعبانه والمساحة المعرفية التي يغطيانها.
    وإذن فما هو دور الوحي الذي نجد له حضورا ملحا ويحاصرنا من كل جانب، وما الذي جاء ليغطيه من حيث المبدأ إذا لم تكن الحاجة إليه قائمة عبر استغناء العقل والتجربة عما سواهما معرفيا؟!
    لن تكون لإجابتنا على هذا السؤال أيَّ قيمة ما لم نحسم مسائل فلسفية جوهرية وحساسة وهامة قبل ذلك، مثل "الله، المادة، الزمان، المكان، الروح، البعث".. ولذلك سوف نؤجله إلى حينه.

    المقال رقم 5، "وهو الأخير"
    مكانة التجربة في المعرفة.. العلاقة بين التجربة والعقل..
    إن خلافاً حاداً دار ويدور حول أسبقية العقل على التجربة في المعرفة، يتبنى فيه أنصار المذهب التجريبي القول بأسبقية التجربة وبألاَّ وجود لمعارف خارج حدود الحس، الأمر الذي نرى معه من الضروري التعريج على مواقف هذا المذهب لنتعرف على مواطن الخطأ فيها.
    يستند المنادون بالمذهب التجريبي في جملة ما يستندون إليه وهم يحاولون إثبات أسبقية التجربة معرفيا على كل ما سواها، إلى كونهم يرون الإنسان حال تَجَرُّدِه من التجارب المختلفة غير قادر على التعرف على أي حقيقة مهما كانت. وأوضح دليل على ذلك عندهم هو حال الإنسان عندما يولد، فهو يولد خاليا من كل معرفة، ويرتبط وعيه وإدراكه وترتبط معرفته بالأشياء والظواهر وبِجُزْئِيَّات الواقع الموضوعي من حوله، ويرتبط كشفه للحقائق، ارتباطا طرديا بحياته العملية ذات الطابع الحسي، والتي هي تعبير آخر عن تَحَقُّقِ معنى التجربة في حياته.
    إلاَّ أن هذا المنطلق التبريري في سياق محاولة إثبات أسبقية التجربة معرفيا هو – في تصورنا – منطلق قاصر عن تحقيق الغرض منه. فالتجربة على ضوء مفهومها الحقيقي والواقعي أعجز بكثير من أن تُحَمَّلَ مسؤوليةً معرفيةً بهذه الخطورة والأصالة.
    فما نشاهده من واقع الإنسان عندما يولد إلى أن يصبح قادرا على تكوين المعارف، لا يؤشر على ما يدعيه أنصار المذهب التجريبي وأنصار حسية المعرفة كلها.
    فالإنسان لحظة ولادته، تكون لديه مجموعة من الأعضاء والأجهزة غير مكتملة، وغير جاهزة لأداء وظائفها الحيوية التي أعدت لها، ولا تتحقق لها هذه الجاهزية إلا عبر عملية تكامل ونمو بيولوجيين تأخذ مدى زمنيا طويلا، ومن ذلك "الجهاز التناسلي والأعضاء المرتبطة به" و"الجهاز الحركي من عظام وعضلات وأربطة وأوتار" و"الجهاز العصبي من أعصاب ونخاع شوكي ومخيخ وبصلة سيسائية ودماغ وحواس".. إلخ.
    ولأن عملية الإدراك وآلية معرفة الواقع الموضوعي تتم عبر الجهاز العصبي كمركز لهذه العملية، فإنها من غير شك تنمو وتتكامل مع نمو وتكامل هذا الجهاز. والذي يتكامل في هذه العملية وتلك الآلية هما شِقاها التجريبي وغير التجريبي معا.
    أي أن ما يكون غير موجود في الإنسان لحظة ولادته معرفيا، ثم ينمو بنموِ جهازه العصبي وبنمو بنيته البيولوجية ككل، هو جهازه الإدراكي والمعرفي بشقيه الحسي والعقلي، ولا ينمو أحدهما منفردا دون الآخر، ليكون من ثم هو سبب نمو الآخر. أي أن المعارف العقلية تتكامل بتكامل جهاز الإدراك، جنبا إلى جنب مع تكامل الحواس بوصفها مصدر المعارف الحسية من جهاز الإدراك. وفي اللحظة التي تصل فيها آلية الإدراك في الجهاز العصبي من خلال عملية النمو والتكامل البيولوجيين لهذا الجهاز، إلى الربط بين العقل والإحساس معرفيا، تبدأ عملية الإدراك تتضح وتتكامل إلى أن تتخذ سياقها الطبيعي المنتج للمعرفة ككل. فليس الحس هو الذي يعلِّم الإنسان التفكير العقلي، وليس التفكير العقلي هو الذي يعطي الإحساس قدرتَه المعرفية.
    وبعد، فلننتقل الآن إلى مناقشة أنصار المذهب التجريبي في مذهبهم، من خلال إظهار قصور التجربة عن ملامسة بعض القواعد المعرفية التي نعتبرها من اختصاص العقل، والمتحررة من أي مرجعيات غير عقلية منحتها صفة "المفردات المعرفية"..
    أ - تحليل واقع التجربة
    إن التجربة في صورتها المتقدمة، أي تلك التي يمارسها العالِمُ في مختبره تتميز بما يلي..
    أولا.. عدم قدرتها على استيعاب كافة جزئيات الطبيعة المماثلة لذلك الجزء الذي يكون العالِم بصدد إخضاعه لها ودراسته على أساسها. وإن قصارى ما يمكنها أن تتناوله في نطاقها المخبري المحدود، هو مجرد جزئيات محدودة جدا مَهْمَا كثرت بالقياس إلى المحتوى الطبيعي العام من تلك الجزئيات، ومثيلاتها المتفقة معها في الحقيقة والجوهر.
    ثانيا.. إن التجربة تقوم فقط بالكشف عن اشتراك تلك الجزئيات في ظاهرة معينة وفي ظروف وضمن شروط معينة، بصرف النظر عن شكل تلك الظاهرة المشتركة. ولا يتعدى دور التجربة بما هي تجربة تعبر عن امتداد موضوعي لأعضاء الحس البشري، إلى أكثر من عملية الكشف بهذه الطريقة.
    ثالثا.. إن الذي يقوم على التجربة وعلى تفسيرها ومن ثم على فهمها وتسجيل نتائجها، واستنتاج القوانين من المشاهدات التي أدت إليها، هو رجل عاقل يعطيها بعقله هذا قيمتَها الموضوعية، وليس مجنونا، لأن هذا الأخير يجعلها عقيمة عجماء، رغم سلامة حواسه كاملة، حيث لم تكن هذه السلامة لتسعفه إلى الاستفادة معرفيا مما نقلته إليه التجربة، ما يؤكد أن مرحلة ما بعد الإحساس ونقل المحسوسات وتسجيلها، أي ترجمة الإحساس إلى لغة معرفية ثم فهمه ثم صياغته، هي كلها أمور من اختصاص العقل وليست من اختصاص التجربة.
    رابعا.. بعد التأكُّد من دقة التجربة وسلامة شروطها الموضوعية، وبعد التأكد من صحة الملاحظات والمشاهدات التي أدت إليها، يقوم ذلك الرجل العاقل – العالِم – بإصدار قانونه بشأن المجاميع الوجودية المنسجمة في حقيقتها مع تلك التي درسها والمُتَّحِدَة معها في ظروف التجربة وشروطها، وذلك بأن يجعلها جميعها خاضعة لنفس القانون الذي أوصلته إليه مشاهداته التجريبية.
    وإذا كانت هذه هي التجربة وهذه هي حدودها وإمكاناتها، فهل يمكن الحديث عنها بصورة تَنُمُّ عن قدرة خارقة ومطلقة على الكشف عن الحقيقة؟!
    ب - التناقض الذاتي في مقولة أَسْبَقِية التجربة معرفيا
    هل القاعدة التي يقررها التجريبيون والتي تنص على أن "التجربة هي المصدر الأول والوحيد للمعرفة"، هي معرفة أولية في غير حاجة إلى برهان – أي تثبت عقلا – بقيامها بالذات، أم أنها شأنها شأن كل المعارف - كما يقولون – لا تثبت إلاَّ بالتجربة، أي بالبرهان غير العقلي؟
    إن في الإجابة على هذا السؤال سقوط للقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المذهب التجريبي. فالسؤال لا يحتمل إلاَّ إحدى إجابات ثلاث. فإماَّ أن المقولة السابقة مفردة معرفية أولية قائمة بالذات وتثبت من ثم بالعقل وبدلالته عليها، وإماَّ أنها تثبت بالتجربة، وإماَّ أنها تثبت بدليل آخر غير التجربة وغير العقل.
    أما القول بالوقوف عند غير التجربة وعند غير العقل بصورة نهائية، فلا يقيم أمامنا أي مشكلة معرفية، حتى يتحدد هذا الغير، لنعود معه من البداية وبالطريقة نفسها. وأما القول بالوقوف عند العقل ففيه حسم للمشكلة وحل للخلاف نظرا لانطواء هذه الإجابة على الاعتراف بقيام العقل بذاته وأسبقيته على التجربة من حيث المبدأ، وبالتالي تسقط على الفور المقولة التجريبية ذاتها. وأما القول بالوقوف عند التجربة كدليل أول على التجربة، فلا يحسم المسألة ويبقيها معلقة. فالتجريبيون إنما هربوا إلى التجربة كمصدر أول للمعرفة تَجَنُّباً لمقولة القيام بالذات أو الوقوف عند قائم بالذات سابق عليها. فكيف يكون دليلهم على صحة مذهبهم بالقول بقيام التجربة بالذات؟ هذا إذا تجاوزنا بطبيعة الحال حقيقة أن القيام بالذات مسألة تخص العقل وأن الاعتراف بها إنما هو اعتراف بالعقل بالضرورة كمصدر معرفي أول!!
    يتبين لنا إذن أن المقولة الأساسية للمذهب التجريبي مقولة ساقطة فلسفيا ومعرفيا، نظرا لاحتوائها على مبررات سقوطها، ونظرا لتضمنها تناقضات لا تصمد أمام التحليل المنطقي. ومع ذلك فإن هذا الأساس التجريبي يستمر في التَّكَسُّر أمام كافة التحليلات المنطقية المتصورة، والتي سنتابعها فيما يلي.
    ج - المذهب التجريبي ومفهوم الاستحالة
    إن المعرفة لو كانت محصورة في نطاق التجربة فقط ودون أن نملك منها ما هو غير ناتج عنها أساسا، لما جاز لنا عندئذ أن نحكم على ظاهرةٍ ما بأنها مستحيلة، لأن التجربة لا يمكنها أن تكشف عن معنى الاستحالة في شيء ما أو في ظاهرة ما، مهما كانت وسائلها وأدواتها المخبرية دقيقة.
    إن قضية عدم وقوع التجربة على معنى الاستحالة في الأمور المستحيلة، راجع إلى جوهر وطبيعة التجربة بما هي كذلك. إن قصارى ما يمكن للتجربة أن تقع عليه وتكشف عنه، هو وجود أشياء وعدم وجود أشياء أخرى. وهذه الأشياء غير الموجودة لا تُفَرِّقُ التجربة بما هي مجرد وسائل حسية عجماء في ذاتها، بين ما كان منها مستحيلَ الوجود وما كان منها مُمكنَ الوجود. فهي تكشف عن وجود شيء ما أو عن عدم وجود شيء آخر، مع عدم قدرتها على الجزم بعدم إمكان وجود ما لم تكشف عنه أو ما كشفت عن عدم وجوده.
    الحكم بالاستحالة إذن ليس من اختصاص التجربة، وهي لا تقع على الإطلاق على هذا المعنى في الأمور المستحيلة التي كشفت فقط عن عدم وجودها.
    العديد من القضايا لم تكشف التجربة عن وجودها ورغم ذلك فليس بإمكانها الحكم باستحالتها وبعدم إمكان وجودها، حتى لو كنا نحن كعقلاء متفقين على هذه الاستحالة في تلك القضايا، ما يؤكد أن معنى الاستحالة هو مبدأ غير تجريبي بل عقلي صرف. إن السبب في أن هذه القضايا غير المكشوف عنها تجريبيا ليس بالضرورة أن تندرج في دائرة المستحيلات إلاَّ إذا حكم العقل بذلك، يرجع إلى أن إمكانَ الوجود لا يُسْلَب عن المسائل التي لم تكشف التجربة عنها في نطاقها الخاص والمحدود.
    فكم يبدو واضحا وجَلِياًّ الفرق بين دوران الأرض في عكس الاتجاه الذي تدور فيه حاليا، أو وقوف إلكترون معين عن الحركة في مداره الخاص به من الذرة، أو انطفاء الشمس فجأة.. نقول.. كم يبدو الفرق واضحا بين هذا كله، وبين وجود وحدة إذا أضفناها إلى وحدة أخرى أصبح الناتج عشر وحدات من نفس النوع، أو وجود خط مستقيم يصل بين نقطتين في واقع هندسي إقليدي ويكون أكبر من أي خط منحن يصل بين نفس النقطتين في نفس الواقع، أو وجود شيء يحدث من غير سبب، أو وجود جزء أكبر من الكل الذي اقتُطِعَ منه.
    إن كافة القضايا التي أوردناها في المجموعتين السابقتين لم تتحقق بعد بمقتضى التجربة، بل إن التجربة تنفي وجود مثل هذه الأشياء في الواقع الموضوعي الخاضع لدائرة قدرتها الكشفية. هذا هو باختصار حكم التجربة على مجموعتي القضايا السابقتين. ولو كانت التجربة هي المصدر المعرفي الأول لتوقفنا عند هذا الحد من التعامل مع هاتين المجموعتين من القضايا، ولما جاز لنا أن نفرق على أساسها وعلى أساس أسلوبها في الكشف المعرفي بينهما على الإطلاق. لكن قليلاً من الموضوعية والتعقل يُمَكِّناَناَ جميعا و بدون أدنى تكلف من أن نلمح الفارق بينهما.
    فالطائفة الأولى لم تقع، لكن وقوعها ليس ممتنعا في العقل. فمن الممكن أن يتغير اتجاه دوران الأرض فجأة ومن غير سبب معروف وظاهر بالنسبة لنا. ومن الممكن أن يتوقف الإلكترون عن الدوران. وانطفاء الشمس الآن وبدون مقدمات تدفع إلى توقع ذلك ليس بالأمر العصي على التَّخَيُّل. أما الطائفة الثانية فليس عدم وجودها هو الملاحظ فقط، بل هي ممتنعة الحدوث أساسا ولا يمكنها أن تقع مطلقا وتحت أي ظرف.
    فالخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين في الواقع الإقليدي سواء انطفأت الشمس أو عاش الإنسان بلا قلب أو تضخم الإلكترون ليصبح بحجم الكرة الأرضية، أو لم يحدث كل ذلك أو حدث غيره من الأمور الغريبة. إن هذا الحكم بالامتناع الواضح في الطائفة الثانية من الحقائق، لا يمكن تفسيره في ضوء التجربة بل في ضوء مقررات العقل. ولولا هذه المقررات السابقة على التجربة والمستقلة عنها استقلالاً تاما، لامتنع الامتناع ولاختلط الحابل بالنابل، ولما أمكن الجزم بصحة أي حقيقة في هذا الوجود.
    د - المذهب التجريبي ومبدأ العلِّيَّة
    إن التجربة تعجز أيضا عن إثبات مبدأ العِلِّيَّة كمفردة معرفية أساسية. وإن قصارى ما يمكنها الكشف عنه هو التعاقب أو التزامن بين الظواهر والحوادث. فبالتجربة نرى أن المعادن تتمدد بالحرارة، وبها نشاهد أن الماء يغلي عند الدرجة (100).. إلخ. فالتجربة إذن ترينا الحوادث المتعاقبة أو المتزامنة وتكشف لنا عنها، ولكن لا يمكنها أن تكشف لنا عن الرباط الضروري الكامن بين الأسباب ونتائجها، والذي نسميه مبدأ العِلِّيَّة.
    وبتعبير أدق فإن التجربة تقع على الذوات المتعاقبة أو المتزامنة، لتكشف لنا عن ذات العِلَّة وعن ذات المعلول، وليس عن مبدأ العِلِّيَّة الكائن بين تلك العِلَّة وذلك المعلول. وهو المبدأ الذي لا يثبت إلاَّ عقلا.
    فالتجربة تقع على غليان الماء عند وصوله في سلم الحرارة الدرجة مائة في ظروف معينة. وهي تقع على احتراق الخشب لحظة إلقائه في النار، وعلى اختناق الكائن البشري حال إلقائه في الماء.
    وهي أيضا كثيرا ما تقع على ظواهر متزامنة أو متعاقبة عديدة ومتنوعة في هذا الوجود، مثل أن يحدث تَصَادُفُ خروجِ رجلٍ من بيته لحظة سقوط حجر قرب باب هذا البيت، أو قيام شخص ما بالعطاس لحظة مرور سيارة مسرعة جدا من جانبه.
    ولا فرق لدى الوسائل المخبرية المُعَبِّرَة عن التجربة بين كل هذه الظواهر المتزامنة أو المتعاقبة.
    فالتجربة لا تفرق بين تزامن خروج الرجل من بيته وسقوط الحجر قرب بابه، وتزامن غليان الماء مع الدرجة مائة، من حيث التزامن. فكل أنواع التزامن هي عند التجربة تزامنات، وتزامنات فقط. ومع ذلك فقد توصلنا نحن معشر البشر إلى الاقتناع بأن هناك علاقة عِلِّيَّة تربط بين ظاهرتي الحرارة والغليان المتزامنتين، وبألاَّ علاقة من هذا النوع تربط بين حدث خروج الرجل من بيته وحدث سقوط الحجر قرب بابه المتزامنين أيضا، حتى لو تكررت هذه الظاهرة أمامنا آلاف المرات. وتَرانا نبحث لها عن عِلَّة خارج نطاق علاقة التزامن أو التعاقب المشاهدة.
    وإذا كانت التجربة عاجزة عن معرفة الفرق بين الظواهر المتزامنة المرتبطة برباط العِلِّيَّة وتلك التي لم ترتبط بهذا الرباط، فإنها أيضا وداخل مجموعة الظواهر التي يعلِّل بعضها بعضا تقف عاجزة بما هي تجربة فقط عن تحديد أي الظاهرتين هي العلة وأيهما هي المعلول, فهي قد وقعت على الظاهرتين معا وفي نفس الوقت. ووقوعها هذا لا ينطوي على أي معنى من معاني تحديد العِلَّة والمعلول من بين الظاهرتين اللَّتين تم الوقوع تجريبيا على تزامنهما أو تعاقبهما. ومع ذلك فنحن معشر البشر نعرف من بين الظواهر المرتبطة برباط العِلِّيَّة، أي الظاهرتين هي العلة وأيهما هي المعلول رغم عدم وقوع التجربة على ذلك.
    فالتجربة وقعت على وصول الحرارة درجة مائة وعلى الغليان في الوقت ذاته، فكيف تمت معرفة أن الحرارة هي العِلَّة وأن الغليان هو المعلول؟ والتجربة وقعت على حركة اليد وحركة القلم في اللحظة ذاتها، فكيف تمت معرفة أن حركة اليد عِلَّة وأن حركة القلم معلول؟ إن العقل وحده هو الذي استطاع أن يدرك أن الظاهرةَ العِلَّةَ من تلك الظواهر هي التي ترتبط بالإرادة في حال حركة اليد والقلم، والتي ترتبط بأسبقية وجود مصدر الحرارة موضوعيا في حال غليان الماء.
    إن كل هذه الملاحظات تكشف لنا بما لا يدع مجالا للشك عن أن مبدأ العِلِّيَّة مبدأ عقلي صرف نظرا لعدم وقوع التجربة عليه، بل نظرا لعدم إمكان وقوعها عليه في الأصل، وذلك من حيث قيام العِلِّيَّة في الوجود أولا، ومن حيث التفريق بين الظواهر المتزامنة أو المتعاقبة المرتبطة فيما بينها برباط العلية وتلك التي لا ترتبط بهذا الرباط ثانيا، ومن حيث تحديد العلة وتحديد المعلول رغم تزامنهما أو تعاقبهما في الظواهر المرتبطة برباط العلية ثالثا.
    إن الأخذ بمضمون المذهب التجريبي الذي لا يُصَدِّق إلاَّ بما أثبتته التجارب، سيقودنا حتما إلى عدم التصديق بمبدأ العِلِّيَّة نظرا لعدم كشف التجربة عنه. وإذا انهار مبدأ العلية تنهار كافة العلوم الطبيعية، ليس من حيث عدم إمكان صدقها كما هو الحال في إمكان التناقض المترتب على انهيار الاستحالة. بل تنهار من حيث عدم إمكان معرفتها أساسا، لأن العلوم الطبيعية قائمة في الأصل على مبدأ العِلِّيَّة قياما وجوديا، فبه تثبت وبدونه لا يثبت منها شيء على الإطلاق.
    فيكفي المذهب التجريبي سقوطا في مسألة أسبقيته المعرفية على العقل، هذه النتيجة المذهلة التي يؤدي إليها حتما. فهو يُسْقِط العلم من حيث يريد إثبات تَفَرُّدِ التجربة بتغطية الوجود معرفيا.
    هـ - تفنيد تجريبية القواعد الرياضية
    إن هناك بعض المغالطات التي يسوقها التجريبيون ويحاولون من خلالها تفنيد أسبقية العقل المعرفية على كل ما سواه، وذلك بتأكيدهم على أن الحقائق الرياضية ذاتها، وهي الحقائق المتصفة باليقين المطلق والتي تمثل دُرَّة تاج المعرفة العقلية، لا تثبت إلاَّ بالتجارب. ولقد حاول بعضهم إثبات ذلك من خلال مناقشته للمقولة العقلية التي تنص على أن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين في واقع هندسي إقليدي، معتبرا أن هذه المقولة التي تُعَدُّ إحدى القواعد الأساسية غير المبرهن عليها بسبب قيامها بالذات في العقل، حقيقة يمكن إثباتها تجريبيا، ولسنا مضطرين لقبول قيامها العقلي بالذات.
    فهل نجح هذا البعض في هذا الزَّعْم؟
    نؤكد بداية على أن عاقلين لا يختلفان على صحة القاعدة السابقة، ومع ذلك فلا دليل عليها من التجربة.
    فهل يَحُلُّ المشكلة معرفيا أن نقوم مثلاً بقياس طول خط مستقيم يصل بين نقطتين، وبقياس طول خط منحن – أيِّ خط منحن على اعتبار كثرتها – يصل بين نفس النقطتين، لنكتشف القاعدة بعد أن نشاهد الفارق بين الطولين؟ هل لو تحقق ذلك مثلا تكون المقولة إياها صحيحة على أُسُسٍ تجريبية؟
    بكل تأكيد لا يتحقق ذلك. والقيام بالعملية المذكورة ليس هو الذي يعطي للقاعدة الرياضية التي نتحدث عنها صِحَّتَهاَ ويقينيتها لدى كل من يفهم التجربة وكيفية دلالتها على المفردات المعرفية.
    هذا إذا سلمنا ابتداء بأنها قاعدة تجريبية الثبوت.
    إن أعداد الخطوط التي تصل بين نقطتين غير محدودة وغير منتهية، واحدٌ منها فقط هو خط مستقيم، أما الخطوط المتبقية واللاَّمحدودة العدد فهي عبارة عن خطوط منحنية (حتى هذه الفكرة تُعْتَبَر عقلية بديهية قائمة بالذات لا يمكن إثباتها بالتجربة، إذ كيف يمكن للتجربة أن تعرف أن عدد هذه الخطوط المنحية هو عدد لا متناهي؟!).
    وهذه الخطوط المنحنية لا يوجد من بينها أي خط يساوي في طوله أي خط آخر على أحد جانبي الخط المستقيم (وهذه أيضا فكرة عقلية بديهية قائمة بالذات يستحيل إثباتها بأي تجربة من أيِّ نوع، إذ كيف ستعرف التجربة أن كل خط منحني من تلك الخطوط اللانهاية العدد يختلف في طوله عن كل الخطوط الأخرى؟!).
    وبالتالي فلكي تثبت هذه القاعدة بالتجربة فلابد من أن نقوم بعدد لا متناهٍ من التجارب، وذلك بعدد الخطوط الممكن رسمها للوصل بين هاتين النقطتين على أحد جانبي الخط المستقيم، على أن نقوم في كل تجربة منها بقياس الفرق بين طول الخط المستقيم والخط المنحني الآخر المقارن به، ليكون استقراؤنا من ثم لقِصَرِ الخط المستقيم عن كافة هذا العدد اللاَّمتناهي من الخطوط المنحنية هو المنطلق لإثبات هذه القاعدة تجريبيا. وإننا إذا لم نقم بذلك فلا يحق لنا القول بأن هذه الحقيقة الرياضية تثبت استناداً إلى التجربة..
    هذا هو باختصار ما تقتضيه التجربة.
    فنحن قبل أن نقول مثلا بأن المعادن تتمدد بالحرارة، قمنا باستقراء التمدد بالحرارة في كل أنواع المعادن. ولولا هذا الاستقراء لما جاز لنا التعميم، ولكانت قاعدتنا قابلة للطعن فيها بموجب منطق التجربة نفسه. وبما أن عدد المعادن محدود خلافاً لعدد الخطوط المنحنية في مثالنا السابق، فإن التجربة كانت أداة موضوعية طَيِّعَة للكشف عن قانون تمدد المعادن بالحرارة، في حين لم ولن تجد التجربة لها سياقا موضوعيا للكشف عن قاعدة الخط المستقيم.
    ولا يصح مطلقا الرد على كلامنا بالقول بأنه كان يكفي من التجربة أن تكتشف وجود الفارق في الطول بين الخط المستقيم الواصل بين نقطتين وبين خط منحن واحد – أيِّ خط – واصل بين نفس النقطتين، لنقوم بالتعميم بعد ذلك انطلاقا من قانوني "الانسجام" و"الحتمية" المنبثقين عن مبدأ العِلِّيَّة، واللَّذَيْن يقضيان بالاشتراك في العلاقة بين كافة المجاميع المتشابهة قي الجوهر.. نقول.. إنه لا يصح مطلقا الرد بذلك، لأنه ليس تطبيقا أمينا لمبدأي الانسجام والحتمية اللَّذَيْن على أساسهما تُعَمَّم القوانين في ضوء نتائج التجارب العلمية.
    والسبب في ذلك هو أن الخطوط المنحنية المذكورة ليست متشابهة في الجوهر، ولا تشترك سوى في أنها خطوط منحنية، وذلك لمجرد أننا اصطلحنا عليها بذلك. إن الفرق بين أي خط منحن منها وبين باقي الخطوط هو في جوهره كالفرق بين معدن الحديد ومعدن النحاس. فهل كان من المقبول بمقتضى التجربة التي كشفت لنا عن أن الحديد يتمدد بالحرارة، أن نعمم بالقول بأن النحاس يتمدد بها لمجرد أن العنصرين اشتركا في صفة معدن التي هي مصطلح أطلقناه نحن عليهما وعلى غيرهما من العناصر التي تشترك معهما في صفات محددة لاحظناها نحن؟!
    بكل تأكيد ليس هذا بالأمر المقبول منطقيا. لا بل ما هكذا ثبت لدينا قانون "تمدد المعادن بالحرارة". بل باستقراء التمدد في كل العناصر التي أطلقنا عليها صفة معدن. فمؤديات قانون العِلِّيَّة لا تنطبق هنا، كما أنها لا تنطبق لنفس الأسباب والاعتبارات في مسألة الخطوط المنحنية. فكل خطٍّ منحنٍ واصل بين نقطتين هو شيء وكيان مختلف عن الخطوط الأخرى الواصلة بين نفس النقطتين اللتين يصل هو بينهما.
    إن ملاحظتنا بالتجربة لتمدد الحديد بالحرارة تجعلنا بمقتضى قانوني الانسجام والحتمية المشار إليهما نُعَمِّم بالقول بأن عنصر الحديد وهو العنصر المشابه تماما للعنصر الذي أجرينا عليه التجربة، إذا انطبقت عليه الشروط نفسها للعنصر الخاضع لتجربتنا، يتمدد بالحرارة حيثما كان من هذا الوجود. هذا هو شكل التعميم المتاح ومداه المسموح به على ضوء نتائج تجربة معينة.
    ومن الواضح أن هذا التعميم يختلف جذريا عن تعميم من النوع التالي.. "بما أن معدن الحديد يتمدد بالحرارة، إذن فإن كافة المعادن تتمدد بالحرارة".
    وهذا يعني قطعا أن التعميم التالي..
    "بما أن الخط المستقيم (س) هو أقصر من الخط المنحني (ص) الواصل بين النقطتين (أ) و(ب)، فإن الخط المستقيم (س) هو أقصر من كافة الخطوط المنحنية الواصلة بين نفس النقطتين"، هو تعميم خاطئ.
    كما أنه يعني أن التعميمَ التالي..
    "بما أن الخط المستقيم (س) هو أقصر من الخط المنحني (ص) الواصل بين النقطتين (أ) و(ب)، فإن أيَّ خط مستقيم يشبه (س) هو أيضا أقصر ودوما من أي خط منحنٍ يشبه (ص) حيثما كان هذان الخطان يصلان بين أي نقطتين تشبهان (أ) و(ب)"، تعميمٌ صحيح.
    ولكن هذا التعميم للأسف شيء آخر مختلف عن القاعدة مدار الخلاف، لأنها – أي هذه القاعدة – تضع لنا الخط المستقيم في موضع المقابلة والمقارنة مع العدد اللامتناهي من الخطوط المنحنية الواصلة بين نفس طرفي هذا الخط المستقيم، ولا تضعه شبيهه في موضع المقارنة مع الخطوط المنحنية المشابهة لخط منحن لصيق به، والموجودة في أمكنة وأزمنة أخرى.
    وهكذا فإن التعميم بالقاعدة إياها على ضوء قوانين التعميم المعتمدة في التجارب العلمية ذاتها لا تُسْعِفنا في استخلاص قاعدة الخط المستقيم، لأنها باختصار شديد لا تنطبق هنا ولا تصح، وهو الأمر الذي يثبت لنا أن هذه القاعدة لا يمكنها - شأنها شأن كل القواعد الرياضية والعقلية عموما - أن تثبت استنادا إلى التجربة.
    وأخيرا فإن القانون الذي ينص على أن الماء يغلي عند درجة مائة ضمن ظروف معينة، ارتكز إلى تعميم مبدأي الانسجام والحتمية المشار إليهما بعد اكتشاف ظاهرة الغليان في كمية محدودة من الماء. ولكن ألا يجدر بنا أن نلاحظ أن الماء رغم كونه سائلا كالزيت والنفط وغيرهما من السوائل، لم نعمم غليانه عند الدرجة مائة على باقي السوائل؟
    أليس ذلك لأننا لم نستقرئ ظاهرة الغليان عند تلك الدرجة إلآَّ فيه هو دون باقي السوائل، خلافا لظاهرة التمدد بالحرارة التي تمكنا من استقرائها في كافة المعادن والتي بناء عليها قلنا.. "إن المعادن تتمدد بالحرارة"، بينما لم نقل.. "إن السوائل تغلي عند الدرجة مائة"؟
    أليس هذا إذن دليلا واضحا آخر على أن استخدام مبدأ الانسجام للتعميم على الخطوط المستقيمة والمنحنية هو استخدام غير علمي على الإطلاق؟
    نرجو أن نكون بمقالاتنا الخمسة هذه قد وُفِّقنا في وضع العقل والتجربة في سياقاتهما المعرفية المنتجة، دونما حاجة لنحر أحدهما لحساب الآخر معرفيا، مادامت المعرفة لا تقوم إلا بالاعتراف بتنظيمٍ فعال للعلاقة المنتجة للمعرفة بينهما..
    كما نرجو أن نكون قد وُفِّقنا في إثبات أن التجربة هي في النهاية مُنتج عقلي، تمت الإحالة إليها معرفيا بسبب أن العقل هو الذي قرر أن تكون مُمْكِانته من اختصاص التجربة بتا وقطعا..
    وهذا يعني في المحصلة أن كل قضية وجودية يؤطرها العقل، هي قضية قابلة للنقاش المعرفي وللبت المعرفي أيضا، ما دامت له مساحته الخاصة التي لا علاقة للتجربة بها.. فكما أن الرياضيات بأكملها والتي تمثل البنية الهندسية للطبيعة، لا علاقة للتجربة بها، وكلها عقلية صرف، فليس هناك ما يمنع من أن تكون هناك قضايا وجودية ضخمة، هي أيضا من اختصاص العقل، إذا تمكن هذا العقل من تأطيرها معرفيا ومن الإحاطة بمتطلباتها المعرفية.
    مع التأكيد على أنه لا العقل ولا التجرية يستطيع بموجب طبيعته أن ينتجَ معارف تتعارض مع المعارف التي ينتجها الشقيق المعرفي الآخر..
    وبالتالي فكل القضايا التي تقع ضمن اختصاص التجربة يجب ألا تعارض العقل أو أن تتعارض معه، كما أن كل القضايا التي تقع ضمن اختصاص العقل يجب ألا تعارض نتائج التجربة أو أن تتعارض معها، وإلا فإننا أما لغو وليس معرفة..
    ومن هنا فإن الوحي الذي نجد له حضورا ويحاصرنا من كل الجهات، معني بأن يثبتَ مشروعيته بأن يتوافق توافقا تاما مع مقتضيات العقل ومقتضيات التجربة المعرفية، في ضوء الأنساق المعرفية التي يفرضانها كي يتحرك في ضوئها.


    توقيـــع :

     





  8. رقم #8
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-13-2012 الساعة : 05:44 AM

    باحث إسلامي



    رقم العضوية : 52
    الانتساب : Jun 2006
    المشاركات : 52
    بمعدل : 0.02 يوميا

    أوسمة العضو


    محمد جاد الزغبي غير متواجد حالياً




    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
    الإخوة القراء والمشاركون الكرام..
    إن مسألة الخوض فى العقيدة بعلم الكلام والفلسفة تحت زعم الفكر الحر ,
    هو زعم قديم عانى منه المسلمون من القديم منذ بداية ظهور فرقة المعتزلة , وهم أوائل الناس التى ترجمت كتب الفلسفة اليونانية إلى العربية , وأغرقت أهل السنة بمختلقات الفكر الضحل لليونانيين فى الإلهيات وكلامهم عن الله عز وجل وعن النبوة والرسالات وغير ذلك من الضلال المبين , وجاء المعتزلة ومن ورث مواريثهم فى العصر الحالى ( العصرانيون ) فحاولوا إدخال هذه الفلسفة فى الإسلام وتعريبها فكرا بعد أن عربوها لغة ,
    وكانت مواجهة علماء السنة تختلف باختلاف العصور ,
    فعندما كانت تجربة المعتزلة فى طورها الأول حرّم العلماء التفاعل معهم والرد عليهم عملا بقول عمر بن الخطاب (
    أميتوا الباطل بالسكوت عنه ) , ثم لما دخل القرن الثانى الهجرى واستعان المعتزلة بقوة السلطان أيام الخليفة المأمون وانتشرت بدعتهم جدا , هنا تغير منهج التعامل من علماء أهل السنة من السكوت إلى إعلان الحرب الفكرية على تلك السموم الدخيلة ..
    وقال أهل السنة قولتهم المشهورة فى ذلك (
    اسكتوا نسكت , وإن عدتم عدنا )

    وقد جفت الألسنة وجفت الحلوق من العلماء فى التنبيه والتحذير فى كل عصر , بالشدة أحيانا وباللين أحيانا أخرى تطالب بمنع الكلام فى العقائد ومحاولة تكييفها للعقل , حتى يكف أولئك المغرورون بعقولهم عن تضليل الناس بفلسفيات فارغة لا تنتج فائدة من أى وجه , بل تضل ضلالا عظيما كل من يخوض فيها وتدفعه للشك فى ذاته وفى نفسه ..
    ولكن ومنذ تلك العصور وحتى يوم الناس هذا , لم يستمع أولئك المشبهون لنصيحة أهل العلم , وطالبوا بالحرية العقلية فيما يزعمون , وأتوا بمقالات غريبة وبائسة , رأينا منها اليوم مثالا واضحا فى موضوعات الزميل صاحب هذا الموضوع , والذى صدر منه لا يعدو كونه خوض مجدد للضلالات القديمة ذاتها سواء فى الفلسفة اليونانية أو فى فكر المعتزلة !
    وإلى الآن ما زلت أتساءل ..
    ما هو النفع العلمى أو الأدبي أو المادى الذى سيعود على الإسلام والمسلمين عندما يخرج هؤلاء الباحثون على الناس بمقالات تتحدث عن ذات الله عز وجل وعن النبوات والرسالات بما لا يليق وتنكر وتشكك فى مصادر نقل القرآن والسنة عبر منهج الإسناد الفذ الذى اتبعته الأمة منذ عصورها الأولى .. ؟!
    ما هى الفائدة التى ستعود علينا من بحث الزميل الفاضل عندما نسمع منه مثلا أن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس آخر الأنبياء ؟!
    ما هو الإكتشاف الفكرى الذى سيقلب هوان الأمة إلى عز عندما يقول الباحث أن النبي بعد محمد عليه السلام هو العقل ؟!
    ما هو النفع المرجو على الإسلام والمسلمين عندما نرى دعوة الباحث لإدخال العقل فى مهاوى البحث خلف ذات الله سبحانه وتعالى ؟!

    لو أننا رددنا بالمنطق المجرد , وبعيدا عن ثوابت علوم الشريعة لقلنا أن الأمة عاشت أزهى عصورها وكانت سيدة العالم سياسة وفكرا وعلما عندما نبذت أشباه هذه الأفكار وتمسكت بعقيدتها السليمة من منبعها الصافي القرآن والسنة الصحيحة , فبلغت الأمة قصاري المجد ..
    بينما عندما تجددت دعاوى المعتزلة الجدد فى مطلع القرن العشرين وظهرت سرطانات الحداثة والجدلية والمادية وحلت محل القرآن والسنة , وتم نبذ الشريعة خلف ظهورنا , هانت الأمة هوانا لم يحدث لها من قبل وها هى الحوادث التاريخية موجودة أمام العيان تخبرنا إلى أين صارت أمتنا منذ بدايات القرن العشرين وحتى اليوم تحت قيادة أصحاب الفكر الفلسفي
    ولو أننا رددنا بالمنطق المجرد , وبواقع التجارب , والواقع صادق دائما ..
    سنجد أن الأمة مرت بكبوات عديدة منذ نهاية عصر الخلافة الراشدة , وكانت تقوم من كبوتها فى كل مرة بطريق واحد , ألا وهو طريق العودة إلى سبيل القرآن والسنة , وبهذا الطريق وحده وبقيم الجهاد فى سبيل الله تغلبت الأمة على أزمات الخوارج , ثم على أزمات التتار , والحروب الصليبية , ثم صعدت الخلافة العثمانية بلواء القرآن والسنة وحدهما على يد عثمان بن أرطغرل فسادت أوربا كلها وأصبحت دولة الخلافة باسطة نفوذها على ثلاث قارات واستمرت كذلك لمدة أربعمائة عام ..
    ثم بدأ عصر الإنهيار , ولم يبدأ هذا العصر إلا عندما دخلت الدولة العثمانية فى طور التحديث على الطريقة الأوربية , فتخلت عن الفكر الإسلامى الصرف ولجأت إلى أفكار الفلسفة الفرنسية واستعارت طرق الحياة الأوربية فانهزمت جيوشها فى المعركة تلو الأخرى وغابت روح الجهاد فى سبيل الله حتى تقاسمت الدولة الأوربية أملاك الخلافة ومزقتها شر ممزق ..
    وقامت الحركة العلمانية فى تركيا , وجاءت أفكار العلمانية والعصرانية وسيادة العقل لتقلب تركيا من الدولة العظمى الوحيدة فى العالم , فتجعلها دولة تابعة للإتحاد الأوربي تتسول مجرد الإنتساب إليه ولا تجده !!
    فانظروا كيف انقلب الحال بدولة الخلافة من حاكمة للعالم أجمع , إلى متسولة نظرة بعين الرضا من جبابرة أوربا ..؟!

    وثمة نقطة أخرى تثبت ما نقول ..
    كلنا يعرف حركة الإستشراق الغربي التى نشأت قديما فى أوربا كجبهة فكرية للحرب على الإسلام جنبا إلى جنب مع جبهات الحروب الصليبية ,
    وبذل المستشرقون جهدا علميا رهيبا فى نبش أصول كتب السنة يبحثا عن الشبهات المعقدة بهدف ضرب الإسلام من داخله ..
    وتصدى علماء الإسلام لهذا ونبغت مؤلفاتهم فى الرد على المستشرقين واكتسب الفكر الإسلامى بحورا واسعة الغور بسبب تألق علمائه فى الدفاع عن العقيدة الصحيحة ,
    ولم تنجح حركة الإستشراق فى أن تنبت لها شجرة فكرية واحدة على أرض الإسلام حتى دخل القرن العشرين فتراجع المستشرقون الغربيون و وتركوا الساحة لتلاميذهم وأذنابهم الذين نادوا بحركة التغريب الأوربي ونبذوا الفكر والتاريخ الإسلامى وزعموا أن هذا الميرث كله هو ميراث التخلف وأن الأمة لن تنهض إلا بالروشتة الأوربية , ونشروا أفكار الإلحاد والعصرانية والفلسفة الوجودية التى وصلت إلى تدريسها فى الجامعات على الطلبة , ..
    هنا انتصرت حركة الإستشراق بجنودها الذين ظهروا من داخلنا ..
    وهذا أمر طبيعى جدا ..
    إذ أن حركة الإستشراق قديما كانت مكشوفة الوجه بادية الغرض أمام كل عاقل لأن أصحابها غربيون صرحاء فى هدفهم ألا وهو هدم الإسلام وعقيدته , بينما كان أذنابهم وتلاميذهم منا , من المسلمين يحملون أسماءنا وسمتنا ولهذا كان تأثيرهم أعمق وأبعد غورا لأن العدو هذه المرة جاء من بين أظهرنا يحمل لنا السم فى العسل , ولا يدعى أنه يحارب الإسلام والسنة بل يتخفي برداء المدافع عن الإسلام ضد مواريث التخلف فيما يزعمون ..
    وانظروا إن شئتم كتابات طه حسين وأفكار أحمد لطفي السيد وسلامة موسي بل انظروا إلى أفكار القرآنيين ــ منكروا السنة ــ والذى جاء بها أحد أساتذة الأزهر المارقين , وانظروا إلى كتابات الشيخ على عبد الرازق أحد دعاة التغريب , وغير ذلك من الأعلام الذين قدمهم الإعلام لنا على انهم أصحاب نهضة التجديد , فإذا بهم لا يأتون بأى جديد على الإطلاق وإنما أتوا بنفس أفكار المستشرقين حرفيا وقدموها على أنها من بنات أفكارهم وأنهم فقط يريدون الخير للإسلام والمسلمين وإعمال حرية الفكر والعقيدة ..
    فلما نظرا فى كتبهم وجدنا آثار أصابع جولدزيهر وماسينون طافحة فيما يدعونه من أفكار مليئة بالإلحاد الصريح عياذا بالله ..
    وعندما نستنكر هذا الكلام , ونغضب لنشره بين الناس ونرد عليه يخرج علينا هؤلاء الناس من المؤمنين بأفكارهم ليرمونا باتهامات التشدد والتكفير والعداء مع العقل , وكأن التصالح مع العقل يعنى أن أقبل هذه الأفكار المارقة التى لا تدع إيمانا لمؤمن !

    ونحن فى الحوار نحتاج لنقطة نظام توضح الهدف منه حتى لا يلتبس الأمر على القراء ..
    أولا : نحن هنا مدفوعون غصبا للرد , لأن تلك الأفكار تم طرحها بالفعل على الناس وما كنا لنتركها هكذا تجد طريقها بينهم بكل ما تحمله من شبهات ..
    ثانيا : الموضوع ليس مع شخص الباحث الزميل , وليس شخصيا أصلا حتى نجده يشكو من ترصد له فى قوله :
    بداية أود أن أشير إلى أنني لم أتوقع أن يناقش موضوع علمي بالتشكيك في نوايا كاتبه، فهذا أبعد ما يكون عن العلمية التي افترض مدعوها أنها غير موجودة في المقال..
    أفهم جيدا أن يتم الاختلاف مع الموضوع جملة أو تفضيلا، لكني لا أفهم روح المصادرة والوصاية التي نضحت من الكثير من الردود..
    هذا مؤسف حقا..
    لا أنكر أن الموضوع حساس ومثير وغير هين..
    أرجو أن يقبل كل من اعترض على مقالتي وما جاء فيها، دعوتي للجميع كي نخرج من شرنقة التشكيك والوصاية والقمع، فليس أحدكم ولا أيٌّ منكم بأحرص على الإسلام مني، وليس رأي أيٍّ منكم ولا موقفه من قضية هنا أو قضية هناك يختلف معي فيه أيا كان مستوى الخلاف،
    فنحن ــ مع احترامنا للجميع ــ لا نعنى بكلامنا شخصك ولا يعنينا أنك تحرص بأفكارك على الإسلام أم تهدمه ,
    بل يعنينا البيان وفقط أما موقفك الشخصي فإن أدركت أن ما نرد به هو الحق وأن أفكارك المستعارة هذى من أفكار الأقدمين هى خطر على العقيدة , فهذا هو غاية المنى , وأما إن لم تقتنع فهذا شأنك وحريتك الشخصية التامة , ولكن حريتك هذى لا تعنى إطلاقا أننا سنسكت على كلامك أو نقابله بالحلم واللين وكأنه اختلاف سائغ يجوز لنا فيه الحلم واللين ..
    ويبدو أنك لا تعرف حقيقة كلماتك وأفكارك وأثرها ولا مدى مضاربتها للقرآن والسنة لهذا تستغرب الشدة التى تتصورها فى الردود عليك ..
    هذا ليس خلافا سائغا فى الفروع بل هو خلاف أصولى نحن نعلم مصدره من القديم , والرد المتشدد عليه لا يعنيك بشخصك بل يعنى الفكر وحده ..
    ثالثا : كما لاحظتم أيها القراء الكرام أننا حاولنا حصر النقاش فى نقاط منهجية واضحة , تتيح الفرصة للزميل صاحب الموضوع للتصريح بأفكاره فى وضوح , وتتيح للقارئ أيضا أن يعرف حقيقة هذه الأفكار وما تنادى به وإلى أدلته فى ذلك إن كانت له أدلة ,
    و
    هذا عن طريق محاولة تحويل النقاش إلى محاورة جادة يتم فيها الرد بوضوح وتحديد على الأسئلة الموجهة للباحث .. وانتظار الأسئلة منه إن شاء بحرية كاملة ..
    لكنه تحاشي الرد أصلا على تلك الأسئلة , وفضل الرد المطول فى غير أصل الموضوع ونحن سنستمر فى البيان بنفس الطريقة عن طريق نقد هذه الأفكار وبيان عوارها بأسئلة واضحة سنكررها لأنها كافية لهدم منهج التشكيك كله , وهو حر فيما يرد بعد ذلك إن جاء بأجوبة مقبولة عقلا أو لم يأت أصلا فهذا شأنه ..

    وكل ما يعنينا أن ينتبه القارئ الكريم لدلالة عدم الإجابة الواضحة واللجوء إلى أسلوب المط والتطويل والتفريع بعيدا عن صلب النقاش .. ونحن هنا لا نعارض التطويل فى الرد من حيث المبدأ , بالعكس نحن نشجعه لأنه ضرورى فى مثل تلك الموضوعات الحساسة , لكن التطويل ليس هدفا وغاية فى حد ذاته بل هو وسيلة لإيضاح الأفكار أكثر وأكثر , فإن خلا من الفائدة فإنما هو جعجعة بلا طحن ..
    وربما .. أقول ربما ..
    ظن الباحث أن اللجوء لأسلوب المط والتفريع مع تضمين ردوده لكمية لا بأس بها من المصطلحات المعقدة , ربما ظن أنه أسلوب ناجح وناجع لتعجيز من أمامه عن الإستيعاب والقدرة على الرد والتفصيل , وهو أسلوب سفسطائي معروف , لكنه لا يصلح فى كل الأحوال طبعا .. لأن القراء يميزون بين المتحدثين بمقدار قدرة كل منهم على الوصول إلى أسماعهم وأفهامهم ..

    يتبع ...


     





  9. رقم #9
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-13-2012 الساعة : 05:51 AM

    باحث إسلامي



    رقم العضوية : 52
    الانتساب : Jun 2006
    المشاركات : 52
    بمعدل : 0.02 يوميا

    أوسمة العضو


    محمد جاد الزغبي غير متواجد حالياً





    القصد ,
    نعود إلى قضية العقل التى أثارها البحث وكانت سببا فى إتيانه بأفكاره التى أنكرناها عليه , فنقول ..
    أن العقل مساحته فى الإسلام أرحب ما يكون , ولا يوجد حجر عليه كما يردد هؤلاء , فالقرآن الكريم مليئ بآيات التدبر والتفكر بما يغنى عن البيان ,
    ولكن القضية ليست فى ذلك .. القضية فى أن الإسلام حرّم ونبه على المسلم صادق الإيمان أن يعبث بعقله فى منطقة الغيبيات , وحدد هذه المنطقة حصرا وهى منطقة ضئيلة للغاية فى مساحة المعرفة الإنسانية التى تركها الله عز وجل لنا نحن البشر نعمل فيها عقلنا كيف نشاء ..
    والمنطقة المحرمة وهى منطقة العقائد ومحاولة فهم الغيبيات وتكييفها بالعقل إنما حرمها الله عز وجل ليس من باب المنع بل من باب توفير جهد العقل لأن العقل معقول برباط محدد لا يتجاوزه وهو مخلوق لن يفلح أبدا فى استيعاب خالقه ولا حتى فى استيعاب بعض مخلوقتاته وحقائق كونه الغيبية , فكيف يجوز له الخوض فى تلك المسائل , وما هى الفائدة التى ستعود عليه عندئذ ..
    بل إن الخطورة تتبدى فى أن الإنسان إذا طاوع غروره وتلبيس إبليس عليه سيدخل تلك المنطقة الشائكة ولا يخرج منها إلا شاكا فى وجود الله !!
    ولهذا نص النبي عليه الصلاة والسلام صراحة فى النهى عن ذلك وقال :
    (
    تفكروا فى خلق الله , ولا تتفكروا فى ذات الله فتهلكوا )
    وقد كانت الهلكة ــ كما رأينا ــ من نصيب المعتزلة ومن تابعهم , فتورطوا فى مصائب عظمى حيث ألحدوا فى القرآن الكريم ففسروه بهواهم ثم أنكروا الأحاديث الصحيحة الثابتة ووصلت بهم الدرجة لإنكار معجزات الأنبياء كانشقاق القمر والإسراء والمعراج وغيرها , ومنهم من وصلت به الدرجة إلى إنكار السنة النبوة كلها !!
    وللتعريف بالمعتزلة أو داء الفرق الذي ظهر بالإسلام يمكننا نتخيلهم في عصرنا هذا بالصحفيين أو المفكرين أصحاب الانتماءات للمذاهب الاجتماعية العلمانية والشيوعية والمادية وللمذهب الإنساني الجديد وغير ذلك
    من الذين يدخلون في صراع دائم مع الفقهاء وأهل الشريعة كأنهم أصحاب الدين , وهذه هي أزمة التلبيس عندهم حيث لم ينظروا إلى الفقهاء والعلماء على أنهم حملة رسالة دينية مصدرها الشارع الإلهي جل سبحانه , وعليه تعاملوا معهم على أنهم أصحاب مذهب فكرى بشري مثلهم
    ولهذا تجدهم يرددون تعبيرات مضحكة في بعض الأحيان عندما يتصدى لهم الفقهاء بالمنع بأمر ما تبعا لمنع الدين فيه فيخرج علينا من يقول بوجوب الخلاص من تحكم الفقهاء الذين يحكموننا بأفكار القرون السابقة , وكأن هؤلاء الفقهاء يتوارثون إنتاجا بشريا يتناسب ونظرية التطور والتقدم , لا أنهم يتعاملون بأسس الشريعة التي لا تخضع لأفكار البشر تعديلا وتوفيقا
    وهذا اللون من الصراع هو نفسه الذي نشأ مع نشـأة المعتزلة الذين تسموا بهذا الاسم عندما انحرف أحد تلامذة الإمام الحسن البصري وهو واصل بن عطاء عن طريق شيخه واختلف معه في الآراء التي تعارفت عليها الأمة في عهد الصحابة ودخلوا إلى مجال العقائد بالعقول لا بالنصوص ورفضوا أن يتوقف العقل عند أي قضية كانت
    ,
    ولأنهم قدموا العقل كمصدر من مصادر التشريع عندهم تصادموا مع الفقهاء والمحدثين في مجال العقيدة , لأنهم إن سلموا للعلماء بمقاليد الشريعة في الفقه فالفقه مجال لا يحتوى على قضايا عقلية عويصة لأن الشريعة جاءت تحمل بين طياتها ما يناسب الفطرة
    ولهذا كان الصدام أصلا في مجال العقيدة وهو المجال الذي يعتبر مجالا شائكا لم ترد فيه نصوص شارحة بل وردت فيه نصوص تصف للمسلم ما ينبغي عليه الإيمان به غيبا كالإيمان بالله تعالى وصفاته وذاته والملائكة والجنة والنار والبعث وما إلى ذلك من قضايا الغيبيات التي ينبغي على عقل المسلم أن يسلم فيها فلا يدخل إليها بعقله محاولا الفهم وإلا كان مصيره الضلال
    وهذا أمر طبيعي ,
    فأساس الحساب كله يتركز على قضية الإيمان بالمسلمات الغيبية , ولو أن الأمر في الدين أمر ضرورة إقناع بالغيوب لما كان هناك داعي أبدا للثواب والعقاب ,
    فطالما أن الإنسان سيشترط دليلا عقليا ماديا لكي يؤمن , فإيمانه هنا لا فائدة منه ولا فضيلة إذ أنه سيري بعينه فعلام إذا كانت الرسل والرسالات
    ولهذا كان العقل طريقا لإدراك وجود الخالق سبحانه وطالما أن العقل سلم في هذه القضية بالإيمان وحقيقة وجود الله تعالى , فليس له أن يقف متشككا ومطالبا بالدليل العيني في كل قضية طلب الشارع فيها إيمان المسلم بلا تفصيل أو سؤال ,
    ومن الغريب أن كبر الإنسان يقف به عند تلك القضايا ويتشكك بينما هو في حياته العادية يسلم بالقضايا الفرعية بلا جدال طالما أنه اقتنع بالقضية الأصلية ,
    مثال ذلك و عندما يذهب الإنسان ملتمسا العلاج عند طبيب يثق به , يكتفي بالسؤال والتحقق من كفاءة الطبيب , بعدها لا يناقش أو يجادل في أمر الدواء الذي يصفه له طبيبه مهما كان غريبا أو شاذا , ولا يطالبه أبدا بأن يصف له هذا الدواء وصفا كاملا أو يطالبه مثلا بإثبات أن هذا الدواء هو الدواء الكافي والشافي لمرضه ,
    فإذا كان هذا حال الإنسان مع قرينه الإنسان فكيف بالرحمن ؟!
    وقد وقع الملاحدة في إنكار الخالق لمطالبتهم بالدليل المادي على وجوده أو الدليل الذي يرضي عقولهم ,
    بينما جاء المعتزلة وهم يؤمنون بالله عز وجل ولكنهم ابتغوا حلولا عقلية ـ على نمط أدلة الملاحدة ـ تثبت وتشرح لهم قضايا هي أصلا فوق مستوى إدراك أي مخلوق فضلا عن البشر
    وتعاملوا مع تلك القضايا بالمدى المحدود المتاح للعقل البشري وقدموا أنفسهم على أنهم المدرسة العقلية التي تفوقت في إدراك حقيقة الإيمان أكثر من العقول الجامدة للفقهاء

    ومن الغريب أن أعلام هذه المدرسة العقلية من أمثال واصل بن عطاء والجاحظ وأحمد بن أبي دؤاد وغيرهم أثبتوا أنهم أبعد الناس عن العقول كما سنرى في أدبيات المعتزلة ,
    فقد قاموا معترفين بالله ورسله وبكل القضايا المتفق عليها , وتوقفوا في أمر العقائد التي ثبتت بالقرآن والسنة ولجئوا لتأويلها عندما لم يحسنوا فهمها وفي نفس الوقت رفضوا أن يسلموا بها تسليما مطلقا كما أمر النبي r
    مثال ذلك ,
    رفضوا مسألة أن الله تعالى له صفات كاليد والوجه والكلام وغيرها زاعمين أن فرض تلك الصفات يعنى بالضرورة تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا كفر بالله ـ كما زعموا ـ لأن الله تعالى منزه عن تلك الأمثلة , واستلزم ذلك أن ينكروا أن القرآن كلام الله تعالى فقالوا أنه مخلوق من مخلوقات الله !
    فانظروا إلى هذا الجنون , والذي يتضح من عدة نواحي أهمها ..
    أن مبدأ التفكير أصلا في تلك القضايا الغيبية التي نهانا الله تعالى عن مثلها بالقرآن الكريم مرفوض حيث قال الله عز وجل صراحة :
    [
    هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ] {آل عمران:7}
    فالآية شديدة الصراحة لكل عاقل في حكمها أن تلك القضايا لا يتبعها إلا هالك زائغ كما أنها قاطعة في حصر العلم بهذا التأويل على الله سبحانه , وبالتالي فالقضية منتهية , فأي عقل في أن ألج بنفسي متعمدا إلى حيث التهلكة بحجة البحث والاجتهاد !! وهو ما طبقه الصحابة فلم يفتحوا تلك القضايا وتبعهم في ذلك سائر الأمة
    ولم تكتف الآية بذلك ,
    بل أوضحت أن أهل الرسوخ في العلم هم من يدركون حقيقة القضية قبل الدخول في معترك التعقيد , فالعالم الحقيقي والعبقري الحقيقي الذي يرفع رايته أمام قدرات ليست له , وهذا يختلف عن الاجتهاد لأن الاجتهاد والتفكير إنما يكون في القضايا القابلة للتحليل بالعقل البشري أما وقد أغلق الباب فالحمقى وحدهم من يتصورون قدرتهم على فتحه
    وكما نص القرآن على هذا النهى , نصت السنة كذلك عليه فى قوله عليه الصلاة والسلام :
    (
    تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى ذات الله فتهلكوا )
    ولنعبر عن ذلك بمثل شعبي مصري جميل , حيث تروى قصة المثل أن الأشخاص افتخر بأن أباه عبقري يفك أي عقدة , فقال له صاحبه
    "
    أبي أنا أكثر عبقرية , فهو لا يتركها كي تنعقد أصلا "
    وعليه إن كان من يحل الإشكال عبقريا فالذي لا يسمح للمسألة أن تصل لحد الإشكال , أكثر عبقرية
    ثانيها : زعموا أن ما قالوه يهدف إلى تنزيه الله تعالى عن المخلوقين وهذا هو عين التلبيس الذي دخل عليهم , حيث انطبق عليهم الوصف القرآني بأنهم من الذين يفسدون في الأرض زاعمين أنهم يصلحون فيها ,
    فغرورهم صور لهم أن لهم قدرة على تنزيه الله ! وهذا بمفرده هو عين التهوين بقدرة الخالق , لأنهم ما قدروه حق قدره ,
    والأخطر من ذلك أنهم حسبوا أنهم ينزهون الله تعالى عن صفات أثبتها جل جلاله لنفسه سبحانه دون أن يمر بخاطر أحدهم أنهم يعدلون ويستدركون على الله تعالى !
    ولمن شاء التعرف على مزيد من التفاصيل فى هذا الأمر فأرشح له كتابي (
    شرح تلبيس إبليس لابن الجوزى ــ الجزء الأول ) ففيه التفاصيل عن هذا الأمر كما أرشح للقارئ كتاب ( جناية المعتزلة على الفكر الإسلامى ) للباحث الكبير د. خالد كبير علال وكلاهما موجود على الإنترنت ..


     





  10. رقم #10
    كاتب الموضوع : أسامة عكنان
    بتاريخ : 11-13-2012 الساعة : 06:03 AM

    باحث إسلامي



    رقم العضوية : 52
    الانتساب : Jun 2006
    المشاركات : 52
    بمعدل : 0.02 يوميا

    أوسمة العضو


    محمد جاد الزغبي غير متواجد حالياً




    هذه هى البداية مع المعتزلة ومن ساعتها وانجرفت كثير من التيارات فى هذه البوتقة المميتة , وتسببت كتب الفلاسفة المترجمة إلى ظهور العديد من الفرق الكلامية التى آمنت بالعقل سيدا وحكما وقلدت فلسفة أرسطو وأفلاطون وسقراط حتى فى ألفاظهم ,
    فكما رأينا الباحث الزميل استخدم ألفاظ وأفكار مثل (
    نبوة العقل ) وألفاظ أخرى مثل ( العقل المطلق ) ولعل القارئ الكريم استغلق عليه فهم مدلولات تلك الألفاظ , ولهذا نوضحها لتدركوا حجم المصيبة
    فالعقل الأول أو العقل الفعال هى أفكار سقراط عن الله عز وجل ــ تعالى الله عما يقولون ــ فسقراط يقول أن أصل الوجود ثلاثة العلة الفاعلة والعنصر والصورة , والله هو الموضوع الأول للكون !!

    ولهذا يكاد فلاسفة اليونان يجمعون على اعتقاد كفري صريح ألا وهو أزلية هذا الكون ..
    هل تعلمون ما معنى أزلية الكون أيها السادة ؟!
    معناه أن الكون غير مخلوق وغير حادث , والله لم يخلقه من عدم بل إن الوجود الأول وهو الله ــ فى زعمهم ــ هو الأصل لهذا الكون .. نعوذ بالله من هذا الضلال المبين ..

    ومن هذا المعين استقي الباحث الزميل أفكاره , لكنه لا يعبر عنها صراحة بل يستخدم نفس المصطلحات المبهمة للتعمية على مقصوده , وهذا الأسلوب اتبعه كثير من الفلاسفة فى العالم الإسلامى مثل ابن رشد الذى كان يعتقد فى داخله أزلية الكون ــ التى بينا لكم معناها الكفري ــ لكنه كان يخفي ذلك بالتعبيرات المبهمة ( من أراد التفصيل فليراجع كتاب مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية للدكتور خالد كبير علال )
    وانظروا ما يقول الباحث الزميل واحكموا بأنفسكم , أو اسألوه عن مقصوده وراء هذه الكلمات ..

    - أين يوجد العقل المطلق؟.. الجواب العقلي: لا يُسْأَل عنه أين هو، لأنه هو المكان المطلق (قادرين على إثباتها عقلا، وهو سؤال متولد بعد إثبات وجود المطلق ذاته)..
    فهل يجرؤ الباحث على تحديد مقصده من مفهوم العقل المطلق , وهل لاحظتم التشابه بين هذا المصطلح وبين مصطلح العقل الفعال ؟! لا سيما أنه يستدرك فيقول :

    متى كان العقل المطلق؟.. الجواب العقلي: لا يُسْأَل عنه متى كان، لأنه هو الزمان المطلق (قادرين على إثباتها عقلا، وهو سؤال متولد بعد إثبات وجود المطلق ذاته)..
    فمن يقصد الباحث بهذه الصفات يا ترى ؟!
    أترك الجواب لكم ..

    ثم يقول فى كارثة من كوارثه ..
    هل المادة أزلية أم حادثة؟.. الجواب العقلي
    ، هي أزلية مصدرا وحادثة شكلا نتجت عن تكثيف المطلق ذاته المطلقة في لحظة زمكانية (قادرين على إثباتها عقلا بمناقشة طبيعة المادة وفكرة الجزء الذي لا يتجزأ)..


    هل رأيتم بأنفسكم ..
    المادة ــ أى مادة الكون والوجود ــ أزلية المصدر ويقول أنها ناتجة عن تكثيف ذاته المطلقة !!
    عودوا إلى ما شرحناه سابقا من قول أرسطو عن أزلية الكون وأن الله عز وجل لم يخلقه من عدم بل هو تكثيف لذاته العلية ــ تعالى الله عن هذا الإلحاد الصريح ــ
    والأمر أوضح من أن نوضحه فالتشابه التام بين مقولات الزميل الباحث وبين كلام فلاسفة اليونان أوضح من أن نوضحه والأمر لا يحتمل إلا إحتمالين لا ثالث لهما :
    الأول : أن يكون الباحث معتقدا بهذه الكفريات جملة وتفصيلا .. وهو عارف ومدرك تماما لمعناها ومرادها
    الثانى : أن يكون غير مدرك لمعناها أصلا وإنما هو ينقل ويقلد تحت تأثير الإنبهار بالفلسفة الإلهية العقلية , وقد حدث هذا لكثير ممن سلكوا هذا الدرب فتحت تأثير الإغترار بالثقافة الغربية والإنبطاح فى مواجهتها وتحت تأثير الوقوع فى فكرة أن التراث الإسلامى السنى هو تراث دينى لا يقدس العقل , انغمس البعض بوعى أو بدون وعى فى تقليد الفلسفة الغربية فكانت النتيجة ما ترون ..

    ولهذا السبب ..
    تزخر موضوعات المتابعين لتلك الفلسفة بالمصلحات المعقدة والمموهة وهى وسيلة دفاعية يلجئون إليها حتى لا يفهم الناس حقيقة مقاصدهم , لأنهم لو عبروا عن أفكارهم بمصطلحات واضحة لرجمهم الناس بالحجارة !
    بالإضافة إلى أنهم يستفيدون من تلك الأساليب المعقدة فى نشر صورة لهم تدل على أنهم خاصة المفكرين وأنهم كبار الفلاسفة ومن ثم فألفاظهم تتعب العقول العادية فى إدراكها , ولا يمكن لهم فهم حقيقة عبقرية ما يأتون به من أفكار ونجد هذا واضحا فى تجربة فيلسوف الصوفية الشهير
    ابن عربي , حيث تزخر مؤلفاته مثل ( الفتوحات المكية ) بهذه التراكيب التى لا تصدر إلا عن مختلى النطق والإدراك ,
    ومع ذلك وجدت من أتباعه ألقاب التعظيم والتفخيم , وإلى الآن فى عصرنا الحديث لا زالت هناك جبهة عريضة من أتباع ابن عربي ــ وهم جميعا من دارسي الفلسفة الغربية فلاحظوا الرابط بينهما ــ هؤلاء يقدسون فكر ابن عربي تقديسا غير عادى ويعلنون فى كل مناسبة أن الفتوحات المكية لا يوجد من يستطيع فهمها فى العالم إلا اثنين أو ثلاثة !
    ويقول الدكتور عثمان يحيي (
    أن ابن عربي لا يمكن فهمه إلا بابن عربي )
    ويعلنون وهم مفتخرون ومعتزون أن ابن عربي احتفت به الدوائر الغربية أيما احتفاء وتقيم له الجامعات الفرنسية مؤتمرا فكريا كل عام يناقش أفكاره , ولكى تعلموا ما هى أفكار ابن عربي يكفيكم قراءة كتابه المختصر (
    فصوص الحكم ) والذى قال عنه الإمام الذهبي ( كتابه فصوص الحكم فيه من الكفر بحيث لو لم يوجد فى كتابه هذا كفر فليس فى الدنيا كفر أصلا )
    فمن أفكاره فى هذا الكتاب أن إبليس هو أول وأعلى الموحدين , وأن فرعون من الموحدين كذلك وأنه فى الجنة حتما ويبرر ذلك بنظريته الشهيرة ( وحدة الوجود ) والقائمة على اعتبار أن كل هذا الوجود هو فى حقيقته وجود للخالق نفسه , ولو لاحظتم أن هذه الفكرة هى نفس فكرة ارسطو السابقة عن العقل الفعال وأزلية الكون , وهذا أمر طبيعى لأن ابن عربي تفلسف على أفكار اليونان فأدخل فلسفته إلى الإسلام وخرج بنظرية وحدة الوجود الشهيرة والتى تقول أن كل موجود هو فى حقيقته الخالق ــ تعالى الله عن ذلك ــ ولهذا عندما قال فرعون أنا ربكم الأعلى لم يكن كاذبا ..
    ثم يتمادى ابن عربي فيقول إن بنى إسرائيل عندما عبدوا العجل لم يغضب عليهم موسي لأنهم فى الواقع عبدوا الله فى ذات أحد مخلوقاته , وأن موسي عليه السلام إنما غضب على هارون بسبب أنه نهاهم عن عبادة العجل !!
    ثم يعلنها صريحة وهو يتحدث عن فقهاء وعلماء أهل السنة الذين كفروه بسبب مقالاته تلك , فيقول أن العارفين ــ يعنى نفسه وأهل التصوف ـــ ليس لهم أعداء إلا هؤلاء الفراعنة ـــ يعنى الفقهاء ــ !!
    فهل علمتم أيها الإخوة الآن ..
    لماذا يحتفي الغرب بابن عربي وكتب ابن عربي ويقيم لها المؤتمرات كل عام ؟!
    ولم يلاحظ الحمقي من أتباع هؤلاء المغترين بالفلسفة الغربية أن أوربا لم تحتف بأى مفكر أو عالم إلا أشباه ابن عربي وابن سينا وابن رشد , وفى هذا دلالة قاطعة على أنهم إنما احتفوا بهم ليدفعوا المثقفين إليهم دفعا ويبعدوهم عن أصل الفكر الإسلامى السنى الذى لا يعتد بغير القرآن والسنة ..

    وطمعا فى احتفاء الغرب تخصص العشرات من الباحثين العرب والمسلمين فى شرح وتنزيه وتعلية أفكار هؤلاء الملاحدة , فاتخذ هؤلاء الباحثين من أساتذة أوربا شيوخا لهم فى أصول الفكر الإسلامى !!
    فتأملوا هذا التنقض الغريب ..

    والتناقض سمة رئيسية فى أفكار هؤلاء على اختلاف مشاربهم ومسمياتهم بين العصرانيين والفلاسفة والعلمانيين والقرآنيين , فكل هؤلاء ينهلون من معين واحد وينشطون فى اتجاه واحد ألا وهو الطعن والتشكيك فى ثوابت القرآن والسنة وفى التاريخ الإسلامى وفى أعظم علوم الأمة ألا وهى علوم الحديث والنقل والإسناد ..
    والباحث من هؤلاء إذا وجد الفرصة سانحة صرح بأفكاره بغير مواربة , طالما أنه لم يجد من ينكر عليه , أما إذا لمح إنكارا أو غضبا فإنه يتراجع على الفور فى تناقض مثير للدهشة ..
    والزميل الباحث وقع فى ذلك صراحة
    ,
    فهو فى أحد موضوعاته شكك فى علم الإسناد كله , بل وبرهن على فشل الثقة فى علم الإسناد كمصدر لثبوت الأحاديث النبوية والتاريخ بتجربة أخذها عن أستاذه الأمريكى ,
    ثم جاء اليوم فى رده علينا فتراجع عن هذا الإنكار !!
    ففي البداية شكك فى جدوى الأسانيد كمصدر ثقة للنقل ودلل على ذلك بتجربة أستاذه الأمريكى الذى أخذ عددا من زملائه وطلب من أولهم أن يحفظ عنه مقطعا معينا ثم ينقله سرا إلى زميله الذى يليه ثم يتوالى النقل حتى يصل الخبر إلى الزميل الأخير ..
    وعندما وصل الخبر إلى الزميل الأخير اكتشفوا أنه يختلف شكلا ومضمونا عن أصل الخبر الأول ..
    ثم عبر عن إعجابه بهذه التجربة الفذة التى دللت بالطبع على خواء علم الإسناد بهذا الشكل , وأظن التجربة واضحة فى دلالتها ..

    يتبع ..


     





صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •